متواجد ، فعرفه أن الذي يراه حين يقوم هو الخصم في قيامه لغير اللّه تعالى ولو كان الرجل صادقا لما جلس . فإذا قد رجع حاصل الوجد إلى مكاشفات وإلى حالات ، واعلم أن كل واحد منهما ينقسم إلى ما يمكن التعبير عنه عند الإقامة منه وإلى ما لا تمكن العبارة عنه أصلا ، ولعلك تستبعد حالة أو علما لا تعلم حقيقته ولا يمكن التعبير عن حقيقته ، فلا تستبعد ذلك فإنك تجد في أحوالك القريبة لذلك شواهد .
شرح
الرسالة فقال : وحكي أحمد بن مقاتل العكي قال : لما دخل ذو النون المصري بغداد فساقه الخ .
( وذلك اطلاع من ذي النون على قلبه أنه متكلف متواجد فعرفه أن الذي يراه حين يقوم هو الخصم في قيامه لغير اللّه تعالى ، ولو كان الرجل صادقا في وجده لما جلس ) ، ولفظ القشيري في الرسالة بعد سياق القصة : سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه اللّه تعالى يقول في هذه الحكاية : كان ذو النون صاحب اشراف على ذلك الرجل حيث نبهه أن ذلك ليس مقامه ، وكان ذلك الرجل صاحب انصاف حيث قبل ذلك منه فرجع وقعد اه .
وقال صاحب العوارف : وأما وجه الإنكار في السماع فهو أن يرى جماعة من المريدين دخلوا في مبادئ الإرادة ونفوسهم ما تمرنت على صدق المجاهدة حتى يحدث عندهم علم بظهور صفات النفس ، وأحوال القلب حتى تنصبط حركاتهم بقانون العلم ويعلمون بما لهم وعليهم وحكي أن ذا النون لما دخل بغداد دخل عليه جماعة ومعهم قوّال فاستأذنوه فساق القصة ثم قال : فطاب قلبه وقام وتواجد وسقط على وجهه والدم يقطر من جبينه ولا يقع على الأرض ، ثم قام واحد منهم فنظر إليه ذو النون فقال : الذي يراك حين تقوم فجلس الرجل فكان جلوسه لموضع صدقه وعلمه أنه غير كامل الحال الصالح للقيام متواجدا ، فيقوم أحدهم من غير بصيرة وعلم في قيامه ، وذلك إذا سمع إيقاعا موزونا بسمع يؤدي ما سمعه إلى طبع موزون فيتحرك بالطبع الموزون للصوت الموزون والإيقاع الموزون ، وينسبل حجاب نفسه المنبسط بانبساط الطبع الموزون على وجه القلب ، ويستفزه النشاط المنبعث من الطبع فيقوم يرقص موزونا ممزوجا بتصنع محرم عند أهل الحق ويحسب ذلك طيبة القلب ، وما رأى وجه القلب وطيبة باللّه تعالى . ولعمري هو طيبة القلب ، ولكن قلب ملوث بلوث النفس ميال إلى الهوى موافق للرأي لا يهتدي إلى حسن النية في الحركات ولا يعرف شروط صحة الإرادات ، ولمثل هذا الراقص قيل الرقص نقص لأنه رقص مصدره الطبع غير مقترن بنية صالحة انتهى .
( فإذا قد رجع حاصل الوجد إلى مكاشفات ) تحصل للبعض ( وإلى حالات ) تعتري للبعض فالأول لأهل القلب ، والثاني لأهل الطبع ، ( واعلم أن كل واحد منهما ينقسم إلى ما يمكن التعبير عنه عند الإفاقة ، وإلى ما لا يمكن العبارة عنه أصلا ) وإلى الأخير أشار عمرو ابن عثمان المكي بقوله : لا يقع على الوجد عبارة كما تقدم قريبا ( ولعلك تستبعد حالة أو علما لا تعلم حقيقته ، ولا يمكن التعبير عن حقيقته فلا تستبعد ذلك فإنك تجد في أحوالك الغريبة لها شواهد ) لذلك .