تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 682

مساهمون:

ص٦٨٢
شرح
يقبل إلا مفسرا ، فمعناه أنا لا نثبت الجرح للمجروح ، لكن نتوقف في الحكم بحديثه ، وقد صرح بذلك ابن الصلاح في جواب سؤال رفعه إليه . وأما قوله : إنهم يقولون فلان سئ الحفظ ونحوه الخ فكلام تفرد القرطبي ببعضه ، وبعضه قاله الفخر الرازي فذكر أنه إذا كان غير قادر على الحفظ أصلا لا يقبل حديثه البتة ، وإن كان يقدر على ضبط قصار الحديث دون طوالها فهذا يقبل منه ما عرف كونه قادرا على ضبطه . أما إذا كان السهو غالبا عليه لم يقبل منه ، وإذا استوى الذكر والنسيان لم يترجح أنه مما سها فيه ، وهذا الذي قالاه لعلهما تفردا به فلم أره لغيرهما ، والمعروف ما قاله العلماء والحفاظ أن ذلك يوجب التوقف وجعله حديث الفرج من هذا عجيب من وجهين . أحدهما : أنه طويل . الثاني : إن الفرج ضعف من أجل هذا الحديث حتى قال الدارقطني : لا يكتب من حديثه هذا الحديث . وأما الوجه الثاني : فقوله إن تلك الأحاديث مخرجة في كتب العلماء الخ فكلام عجيب ، وكيف جعل الأحكام الشرعية تابعة لاحتجاج المحتج ، وإنما الأحكام تتبع الأدلة . فلو سلكنا ذلك لأدى إلى مفاسد عظيمة ولا نعرف أحدا من أهل العلم يقول ذلك إلا بعض المتأخرين من الحنفية وهو أيضا وارد عليه ، فإن المبيحين احتجوا بأحاديث ذكروها فعين ما قاله يقلب عليه . وأما احتجاجه على ذلك بأنه لو كانت تلك العلل موجبة للترك لما جاز لهم ، ولما استحلوا الاحتجاج بها الخ . فكلام عجيب أيضا فإنه يجوز أن يظنوا صحتها وسلامتها ولا يطلعون على ضعفها فيحتجون بها على ظن السلامة ، وعلمنا بدينهم اقتضى لنا حمل ما صدر منهم على ذلك ولا يوجب القدح فيهم ولا العلم بما احتجوا به ، والمجتهد إنما يكلف بما ظنه فقد يكون خطأ ، وقد شهد الشارع بأن المجتهد قد يخطئ ، وهذا الشافعي قد وثق إبراهيم بن محمد ، واتفق الحفاظ أو أكثرهم على تضعيفه ونسب إلى الكذب . وروى مالك مع تشدده عن عبد الكريم بن أبي المخارق ظانا فيه الثقة وهو ضعيف وأمثال ذلك كثيرة ، ثم إن تلك الأحاديث مخرجة في كتب المحدثين إن عني به كل المحدثين فليس كذلك ، فإنه ليس منها شيء في الصحيحين ، وبعضها في الترمذي خرجه وضعفه ، وكذلك قوله محتج بها في كتب العلماء فنقول : جمهور العلماء لم يحتجوا بها بل القائلون بالإباحة وهم الأكثرون ضعفها منهم جماعة من الظاهرية والمالكية ، وذكر ابن العربي في الأحكام تضعيفها ، وقال : لم يصح في التحريم شيء ولم يحتج به الأئمة المشهورون من أرباب المذاهب المتبوعة ، وإن أراد البعض فليس كلام البعض حجة . وأما الوجه الثالث : فقوله : إن تلك الأحاديث معضودة المتون بالقواعد الشرعية فلا يسلم ما قاله ، بل القواعد الشرعية تقتضي خلاف ما قاله فإن الخشوع ورقة القلب وشوق النفس إلى الأحباب والأوطان ونفع الأبدان وإدخال السرور على القلب وجلاء الهموم كل ذلك مطلوب ممدوح والغناء يحصل منه ذلك ، وهذا أمر محسوس مشاهد ، وكم من سمع الغناء فحصل له ما هيمه من المعرفة وربما كان سبب وفاة بعض العارفين ، فهذا تمام الأجوبة عن الوجوه التي ذكرها وقد