تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 680

مساهمون:

ص٦٨٠
شرح
يجرحون بما لا يكون جرحا . ومن ذلك قولهم : فلان سئ الحفظ أوليس بالحافظ ، فلا يكون هذا جرحا مطلقا بل ينظر إلى حال المحدث والحديث ، فإن كان الحديث من الأحاديث القصار التي تنضبط لكل أحد قبل حديثه إلا أن يكون مختل الذهن والحفظ ، فهذا لا يحل أن يروي عنه ولا يعد من المحدثين ، وأما إن كان من الأحاديث الطوال فإن كان ذلك المحدث ممن يكتب حديثه ويضبطه فلا يكون سوء حفظه قادحا فيه ، فإن الكتابة أثبت من الحفظ ، فينبغي أن لا يرد حديثه إلا أن يتيقن أنه نقله من حفظه ، فإن تبين أنه كان لا يكتب حديثه فيعتبر حديثه من رواية غيره ، فإن وجد غيره قد رواه على نحو ما رواه قبل وإن خالفه الحفاظ ترك ، وينظر أيضا هل روي عنه أئمة حفاظ أو حسنوا حديثه أو لا . فإن كان الأول قبلناه ، وحديث الفرج بن فضالة من هذا القبيل فإنه قد روى عنه وكيع بن الجراح وغيره من الأئمة . وقال الترمذي : إنه حسن فدل على أنه يعمل بحديثه ولا يترك وقد ذكر معنى حديثه من طريق آخر ذكرها الترمذي فصح اعتباره فوجب يقبوله . الوجه الثاني : إن هذه الأحاديث مشهورة عند المصنفين من المحدثين وغيرهم ، مخرجة في كتبهم يحتج بها عند العلماء ، متداولة بينهم ، فكل من منع الغناء استدل بها وأسند منعه إليها وهم العدد الكثير والجم الغفير حتى صارت من الشهرة لا يحتاج إلى ذكر مسندها لشهرتها ومعرفة الناس بها ، فلو كانت تلك العلل موجبة للترك لتلك الأحاديث لما جاز لهم ولما استجازوه في دينهم ، فإنه كان يكون منهم اقتباس الحكم من غير أصل واستدلال بما ليس بدليل ، وكل ذلك بعيد عنهم ومحال عليهم لما يعرف من حالهم . الوجه الثالث : أن تلك الأحاديث معضودة المتون بالقواعد الشرعية لكونها زاجرة عن الخوض في أحوال السفهاء والتشبه بالفجار والسخفاء ، وما كان فيه تشبه وخوض فهو حرام شهدت الأدلة به . قال صلّى اللّه عليه وسلم « إذا سمعتم الحديث تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به وإذا سمعتم الحديث تقشعر منه جلودكم وتتغير له قلوبكم وأشعاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم به » . رواه البزار في مسنده بإسناد صحيح إلى أبي حميد . وروى الدارقطني نحوه من حديث أبي سعيد رفعه قال : « إذا حدثتم عني بحديث تنكرونه فكذبوه فأنا أقول ما يعرف ولا ينكر ، ولا أقول ما ينكر ولا يعرف » . وهذا أيضا صحيح على ما قاله عبد الحق ، وما اشتملت عليه تلك الأحاديث من ذم الغناء وأهله تعرفه قلوب العلماء وتلين لذلك أشعارهم وأبشارهم ، وتنفر ممن ظن إباحته ومشروعيته قلوبهم وتنكره عقولهم ، فتؤوّل تلك الأحاديث على ما يشهد به هذا الحديث اه كلام القرطبي . وقد أجاب عن هذا صاحب الامتاع مجملا ومفصلا . أما مجملا فقال : العلم أن قوله في الوجه الأوّل أن المحدثين اصطلحوا في العلل إلى آخر كلام لا يرتد به المنازع ولا يندفع به الخصم ، فإن لكل علم قوما أهلهم اللّه تعالى له احتفلوا به واعتنوا به وهذبوه واستقرؤا عوارضه وتتبعوا أحواله ،