شرح
فإن قيل : إن طاعة الرجل زوجته مقيدة بعقوق أمه وكذلك بر صديقه بجفاء أبيه ؟ .
قلت : إن جعلتا خصلة واحدة نقص العدد ، ويبقى ارتفاع الأصوات فإنه ليس بمحرم ولا نعلم فيه خلافا ، ويقال أيضا : وكذلك اتخاذ القينات مقيد بضرب المعازف ولا يتناول إلى الغناء بالآلة ، وقد تقدم في كلام المصنف قريبا أن القينة في عرفهم هي التي تغني للشراب ، فيكون الحديث إنما يتناول الغناء المقترن بالمنكر ونحوه .
وأما الحديث الثاني : ففيه رميح الجذامي مجهول الحال ولم يخرج له أحد من الستة إلا الترمذي هذا الحديث الواحد ، وأما الحديث الثالث فقال الترمذي : عقبه حديث غريب ، ورواه الأعمش مرسلا وفي سنده أيضا عبد القدوس قال يحيى بن معين ليس بشيء رافضي خبيث ، وهناك أحاديث أخر احتج بها المحرمون تركت ذكرها والكلام عليها مخافة الإطالة .
وقد تصدى أبو العباس القرطبي للجواب عما ذكرنا في كتابه كشف القناع من ثلاثة أوجه ، فقال :
الأول : إن المحدثين لهم في علل الأحاديث طرق اصطلحوا عليها يذكرون الأحاديث من أجلها وإذا عرفت تلك الطرق على محل التحقيق الأصولي لم تكن تلك الطرق موجبة للترك مطلقا ، وإنما تكون موجبة عند تعارضها مما هو سليم من تلك العلل ، فيكون التسليم أولى ، وأما مع عدم المعارض فإن تلك الطرق لا تكون قادحة في غلبة ظن الصدق ، وبيان ذلك أنهم يقولون الجهالة للراوي موجبة للترك ويعنون بالمجهول ما لا يروي عنه إلا واحد ، وإن كان ذلك المروي عنه معروف العين والحال من عدالة وغيرها ، فإن روى عنه راويان فأكثر خرج عن الجهالة إلى الشهرة في اصطلاحهم ، والتحقيق خلاف ذلك . فمتى عرفت عدالة الرجل قبل خبره سواء روى عنه واحد أم أكثر ، وعلى هذا كان الحال في الصنف الأول من الصحابة وتابعيهم إلى أن تنطع المحدثون وتواضع المصطلحون ، فقولهم في كيسان مجهول مع أنه معلوم الحال غير مقبول ، وإلا فالمجهول في التحقيق مثل قولك شيخ ورجل لا يعرف عينه ولا اسمه فهذا الذي لا يختلف في تركه لجواز أن يكون كذبا . ومن هذا النوع أيضا قولهم منقطع أو مرسل ، فإن هذا قد يمكن أن يكون علة معتبرة إذا كان المرسل لا يروي إلا عن الثقات ، فإن روايته عنه تعديل له فإنا علمنا من حاله أنه لا يروي إلا عن عدل ، فالمسكوت عنه عدل . وعلى هذا درج السلف حتى قال محمد بن جرير الطبري : إنكار المرسل بدعة حدثت بعد المائتين ، فأما إذا عارضه سند عدل كان أولى بالاتفاق . أما إذا كان المرسل يروي عن الثقات وغيرهم لم يقبل مرسله ولا ينبغي أن يختلف فيه ، وعلى هذا فلا يلتفت إلى قولهم في حديث البخاري أنه منقطع لأن البخاري لا يعلق في كتابه إلا ما كان في نفسه مسندا صحيحا ، لكنه لم يسنده ليفرق بين ما كان على أصله في شرط شرطه في أصل كتابه وبين ما ليس كذلك ومن ذلك قولهم : فلان ضعيف ولا يبينون وجه الضعف فهو جرح مطلق وفيه خلاف . وتفصيل مذكور في الأصول والأولى أن لا يقبل من متأخري المحدثين لأنهم