شرح
أنه سئ الحفظ مضطرب الحديث . وقال عبد الحق : لم يحتج بحديثه أحد . ومن طريقه خرجه أبو نعيم ، والكريمي ضعفه الدارقطني وغيره وقال بعضهم : كان وضاعا . وحديث معاوية حديث ضعيف لم يروه إلا كيسان مولاه وهو مجهول قاله ابن حزم ، ولم يروه عنه إلا محمد بن المهاجر ، وادعى ابن حزم أنه ضعيف الحديث .
ومنها : أنه صلّى اللّه عليه وسلم سمع معاوية وعمرو بن العاص يتغنيان فقال : « اللهم اركسهما في الفتنة ركسا ودعهما إلى النار دعا » أخرجه الطبراني والجواب أن في إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف ، وروي من طريقين آخرين ضعيفين : في إسناد أحدهما يزيد بن أبي زياد قال ابن طاهر : كوفي كان يلقن بالكذب فيحدث به ، والطريق الثاني رواه ابن عدي من طريق شعيب بن إبراهيم قال : وعنده أحاديث منكرة ، وهذا الحديث يقطع بكذبه ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ما يدعو على أصحابه بالنار لا سيما وهما من كبار الصحابة ولا شك أن هذا من وضع الرافضة .
ومنها : احتجاجهم بقول أبي بكر : « مزمور الشيطان » ولم ينكر عليه صلّى اللّه عليه وسلم قوله . والجواب ، فقال الفقيه الحافظ أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن حبيب المعافري البغدادي في مؤلفه في السماع وهو من مشايخ ابن الجوزي : من تمسك بقول أبي بكر مزمور الشيطان ، فقد أخطأ وأساء الفهم من وجوه : منها تمسكه بقول أبي بكر مع رد النبي صلّى اللّه عليه وسلم له عن قوله وزجره عن منعه لهن ورجوع أبي بكر إلى إشارته صلّى اللّه عليه وسلم ومنها : إعراض هذا القائل عن إقراره صلّى اللّه عليه وسلم واستماعه الذي لا احتمال فيه أنه يقتضي الحل والإطلاق إلى لفظ أبي بكر وتسميته المحتملة المترددة بين احتمالين :
أبعدهما إرادة التحريم ولو قدر أنه اعتقد التحريم لوجب رجوعه عنه ، ومحال ، أن يعتقد أبو بكر تحريم أمر حضره النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأقر عليه مع علم أبي بكر أنه صلّى اللّه عليه وسلم لا يقر على خطأ ولا معصية ، بل الصحيح أنه يفهم من قول أبي بكر ما يليق به ، وهو أنه رأى ضرب الدف وإنشاد الشعر لعبا من جملة المباح الذي ليس فيه عبادة فغشي باطنه الكريم من تعظيم النبوة واحترام منصب الرسالة ما حمله من تبرئة حضرته عن صورة لعب وطرب ، ورأى أن الاشتغال بالذكر والعبادة في ذلك الموطن أدل فزجر عنه احتراما لا تحريما فرد عليه صلّى اللّه عليه وسلم لأمرين : أحدهما : أن لا يعتقد تحريم ما أبيح في شرعه توسعة لامته ورفقا بهم ، والثاني : إظهار الشاعر مكارم الأخلاق وسعة الصدر لأهله وأمته لتبتهج قلوبهم ببعض المباح ليكون أبسط لهم في العود إلى وظائف العبادات كما قال لما قال أبو بكر : أقرآن وشعر ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ساعة من هذا وساعة من هذا » اه . كلامه .
ومما يدل على أن قوله مزمور الشيطان ليس للتحريم أنه لم ينكر إلا كون ذلك في بيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولو كان أراد بقوله : مزمور الشيطان التحريم لقال أمزمور الشيطان ولم يقيده فالإنكار واللّه أعلم إنما هو كونه وجد ما صورته لعب في يوم العيد الذي هو محل العبادة في بيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم الذي هو موطن الذكر ومهبط الوحي ، ولذلك لم يجبه صلّى اللّه عليه وسلم بأنه ليس بحرام لعلمه أنه لم يخطر له التحريم ، وإنما قال : « دعهما فإنه يوم عيد » أي وقت سرور فسمح به في موطنه بمثل ذلك ، وبعض من ادعى تحريم الدف تمسك به وقال قوله مزمور يعود على ضرب الدف لا على الغناء واللّه أعلم .