واجتاز بعضهم في السوق ، فسمع قائلا يقول : يا سعتر بري ، فغلبه الوجد فقيل له : على ما ذا كان وجدك ؟ فقال : سمعته كأنه يقول اسعتر بري ، حتى أن العجمي قد يغلب عليه الوجد على الأبيات المنظومة بلغة العرب فإن بعض حروفها يوازن الحروف العجمية فيفهم منها معان أخر . أنشد بعضهم :
وما زارني في الليل إلا خياله
فتواجد عليه رجل أعجمي ، فسئل عن سبب وجده فقال : إنه يقول : ما زاريم ، وهو
شرح
( واجتاز بعضهم ) في السوق ( فسمع قائلا يقول : يا سعتر بري ) وهو إنما يريد بذلك النداء على السعتر النبات المعروف في كتب الطب ينبت بنفسه في البراري يقصد بذلك بيعه ويصفه بأنه بري غير مستنبت وهو أقوى ، ( فغلب عليه الوجد فقيل له : على ما ذا كان وجدك ؟
فقال : سمعته كأنه يقول : اسع ) أي اجتهد في طاعتي ( تر ) وأصله ترى ، وإنما سقطت ياؤه لكونها وقعت في جواب الأمر ( بري ) بسكر الباء أي خيري ومواهب كرامتي .
ولفظ القشيري في الرسالة : سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول : سمعت عبد اللّه بن علي الطوسي يقول : سمعت يحيى بن الرضى العلوي قال : سمع أبو سليمان الدمشقي طوافا ينادي : يا سعتر بري فسقط مغشيا عليه ، فلما أفاق سئل فقال : حسبته يقول : اسعتر بري انتهى .
وقد نقله القطب سيدي عبد الوهاب الشعراني هكذا في بعض مصنفاته ، وقد وفد إلينا من المغرب أحد الأولياء الصالحين محمد العربي ابن القطب سيدي محمد المعطي بن محمد الصالح بن محمد المعطي بن عبد الخالق بن عبد القادر بن أبي عبد اللّه محمد الشرقي التادلي نفع اللّه به ، فرأيت عنده كتاب المرقي في مناقب سيدي محمد الشرقي تأليف أحد أحفاده ، وهو عبد الخالق بن محمد بن أحمد بن عبد القادر بن سيدي محمد الشرقي وفيه ما نصه : كان رجل في زقاق مصر يبيع ويقول : يا سعتر بري ففهم منه ثلاثة من العباد . الأول : من أهل البداية اسع تر بري أي اجتهد في طاعتي تر مواهب كرامتي ، والثاني : متوسط ففهم يا سعة برّي أي ما أوسع معروفي وإحساني لمن أحبني وأطاعني . والثالث : من أهل النهاية ففهم الساعة ترى برّي أي الفتح جاء إبانه فتواجدوا جميعا انتهى .
( حتى أن العجمي ) الذي لا يعرف يتكلم بالعربية ( قد يغلب عليه الوجد على ) سماع ( الأبيات المنظومة بلغة العرب ، فإن بعض حروفها توازن الحروف العجمية ) مع بقاء التركيب ( فيفهم منها معاني أخر ) غير التي قصدها الشاعر ( أنشد بعضهم ) :( وما زارني في النوم إلا خياله * فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا )( فتواجد عليه أعجمي ) أي أخذه الوجد بسماعه ، ( فسئل عن سبب وجده فقال : إنه يقول ما زاريم وهو كما يقول ، فإن لفظ زار يدل في العجمية على المشرف على الهلاك )