تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 655

مساهمون:

ص٦٥٥
فينبغي أن يجتنب السماع رأسا فإن من غلب عليه عشق نزل كل ما يسمعه عليه ؛ سواء كان اللفظ مناسبا له أو لم يكن إذ ما من لفظ إلا ويمكن تنزيله على معان بطريق الاستعارة ، فالذي يغلب على قلبه حب اللّه تعالى يتذكر بسواد الصدغ مثلا ظلمة الكفر ، وبنضارة الخد نور الإيمان ، وبذكر الوصال لقاء اللّه تعالى ، وبذكر الفراق الحجاب عن اللّه تعالى في زمرة المردودين ، وبذكر الرقيب المشوّش لروح الوصال عوائق الدنيا وآفاتها المشوّشة لدوام الانس باللّه تعالى ، ولا يحتاج في تنزيل ذلك عليه إلى استنباط وتفكر ومهلة ، بل تسبق المعاني الغالبة على القلب إلى فهمه مع اللفظ . كما روي عن بعض الشيوخ ، أنه مرّ في السوق فسمع واحدا يقول : الخيار عشرة بحبة ، فغلبه الوجد ، فسئل عن ذلك فقال : إذا كان الخيار عشرة بحبة فما قيمة الأشرار ؟
شرح
( ومن هذا وصفه فينبغي أن يجتنب السماع رأسا فإن من غلب عليه عشق ) لشيء ( نزل كل ما يسمعه عليه ) لكمال تعلقه به ، ( سواء كان اللفظ ) الذي سمعه ( مناسبا أو لم يكن ) كذلك ( إذ ما من لفظ إلا ويمكن تنزيله على معان ) متنوّعة ( بطريق الاستعارة ) والتشبيه والنقل ، ( فالذي يغلب على قلبه حب اللّه تعالى يتذكر بسواد الصدغ ) أي الشعر النابت عليه مثلا ( ظلمة الكفر ) بجامع الضلال فيهما ففي الأول ضلال الفكر ، وفي الثاني ضلال العقل ، ( وبنضارة الخد نور الإيمان ) وطلاوته ووفوره بجامع البهجة فيهما أو يتذكر بسواد الأصداغ ليالي الفراق فإنها سود وبنضارة الخدود الصبح المسفر عن الوصال ، ( وبذكر الوصال لقاء اللّه تعالى ) فإنه الوصال الذي لا انقطاع بعده ، ( وبذكر الفراق الحجاب عن اللّه تعالى في زمرة المردودين ) أي البعد عن حضرته بسوء ما جنته يداه ( وبذكر الرقيب ) وهو العذول الذي يحول بينه وبين محبوبه ويعذله عن حبه له وهو ( المشوّش لروح الوصال عوائق الدنيا ) أي موانعها ( وآفاتها المشوشة عن الانس باللّه تعالى ) فتلك بمنزلة الرقباء بين العبد وربه ، ( ولا يحتاج في تنزيل ذلك عليه إلى استنباط وتفكر ومهلة بل تسبق المعاني الغالبة على القلب إلى فهمه مع اللفظ ) بسرعة . ( كما روي عن بعض الشيوخ أنه مرّ في السوق فسمع واحدا يقول : الخيار عشرة بحبة ) وهو إنما أراد الخيار المأكول وأنه عشرة تساوي حبة درهم ، ( فغلبه الوجد ) وغشي عليه من سماعه ، ( فسئل عن ذلك فقال : إذا كان الخيار عشرة بحبة فما قيمة الأشرار ) أي سبق إلى ذهنه أن المراد بالخيار هم الناس الأخيار ذوو الصلاح ، فإن كانوا بحبة درهم فقد بخست قيمتهم فما مقدار سواهم عند اللّه تعالى ؟ فهذا المعنى الذي سبق إلى ذهنه أدهشه وأورث فيه الوجد ، ولفظ القشيري في الرسالة قيل : سمع الشبلي قائلا يقول : الخيار عشرة بدانق فصاح وقال : إذا كان الخيار عشرة بدانق كيف الأشرار ؟
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 655 | مرتضى الزبيدي