تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
شرح
سلمناه لكن لا نسلم مساواة الفرع للأصل في الجامع ، وبيانه : أن أصوات الغناء المطربة تنشأ عنه تلك المفاسد التي ذكرت وليس شيء من تلك المفاسد التي ذكرت في أصوات الطيور ، فإنا لا نعلل تحريم الغناء بمجرد الاستطابة بل بالتطريب الذي تنشأ عنه تلك المفاسد ، سلمناه لكن ينتقض بأصوات المزامير والأوتار ، فإنها مطربة . وقد حكى إجماع أهل العصر المتقدم على تحريمها . لا يقال هذا لا يرد فإنا قد تحرزنا عنه بقولنا خارجه باختيار ، لأنا نقول : هو وارد لأنا نقول بموجبه في المزامير والأوتار ، فإنها خارجة من الآلة باختيار النافخ والضارب . سلمناه لكنه تحرز بوصف طردي لا مناسبة فيه ، وذلك أنه إذا حصل الإطراب المفضي إلى تلك المفاسد حكم بالتحريم مطلقا لوجود المقتضي للتحريم ، ولا فرق بين أن يخرج من جماد أو حيوان فقد صح بطلان القياس واللّه الموفق اه . قلت : وأصل هذا الكلام في النقض على المصنف من ابن الجوزي وقد تبعه القرطبي على بعض كلامه بما ملخصه ان المفردات قد تباح ولا تباح المركبات . قال ابن الجوزي : قد نزل الغزالي عن مرتبته في الفهم إلى أن قضى لإباحة المركبات لإباحة المفردات ورد عليه بأن الهيئة الاجتماعية لها زيادة تأثير . هذا معنى ما قاله . قال : فإن العود بمفرده لو ضرب به بغير وتر لم يحرم ، والوتر ضرب به بمفرده لم يحرم ، وعند اجتماعهما يحرم الضرب بهما ، وكذلك ماء العنب لم يحرم شربه فإذا حدثت فيه شدة مطربة حرم ، فكذلك ههنا فإن المجموع يحدث طربا يخرج عن الاعتدال قال القرطبي : وما ذكره الغزالي منتقض بالعود ، فإن ما ذكره موجود فيه والضرب به حرام . قال صاحب الامتاع : وليس العجب إلا منهما فإن الغزالي لم يقل أن كل شيء يجوز منفردا يجوز مع الاجتماع ، وإنما قال : هذا في المقام الخاص لما ذكره من الأدلة على جواز كل فرد ، والهيئة الاجتماعية لم يحصل منها ما يقتضي الدليل على تحريمه ، فإنه إنما يحدث فيه زيادة اطراب وزيادة الإطراب لم يدل الدليل على تحريمها ، بل فيه ما يدل على الجواز ، وقد قال معاوية بحضرة عبد اللّه بن جعفر ، وعمرو بن العاص : الكريم طروب فأتى بصيغة مبالغة ، وبعد أن ورد الشرع ولم يحرم شيئا فالأصل فيه الإباحة فيبقى على الأصل إلا بدليل ، وقد قال تعالى :وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ[ الأنعام : 119 ] وقال تعالى :قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ[ الأعراف : 33 ] الآية . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده ما تركت عملا يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا ذكرته لكم » الحديث . فقد دلت الأدلة على أن المحرم بين وفصل فحيث لم نجد دليلا على شيء قلنا أنه ليس بحرام ، والغناء كان موجودا قديما ، فلو حرم لبين وفصل كما بين الشارع تحريم غيره وهذه طريقة ذكرها جماعة من العلماء . وأما القياس فشرطه مساواة الفرع للأصل أو الزيادة ، وما ذكروه ليس بساو أما العنب فليس فيه عند الانفراد إسكار البتة وعند حدوث الشدة فيه يحدث السكر بخلاف الغناء فإن في المفردات طربا ، وعند الاجتماع زيادة طرب ، وكذلك العود بمفرده ، والوتر بمفرده فلا يصح القياس ، ثم إنا نقول : لولا النص على التحريم عند الهيئة الاجتماعية لم يقل بالتحريم بمجرد مناسبة ، وليس ثم دليل على تحريم مجموع مفردات الغناء ، والقياس إباحة المركب مما كانت مفرداته مباحة ما