وأما أبو حنيفة رضي اللّه عنه فإنه كان يكره ذلك ويجعل سماع الغناء من الذنوب ، وكذلك سائر أهل الكوفة : سفيان الثوري ، وحماد ، وإبراهيم ، والشعبي وغيرهم . فهذا كله نقله القاضي أبو الطيب الطبري .
شرح
إلى لعنة اللّه وخزي عذابه ، فقمت وأنا أقول : هذا فقيه المدينة يتغنى ، فقال يا عاص ما أنت أعلم بالدين مني ولا أبوك اذهب أتبعك اللّه خزية ومن أشبهك ، وذكر في حكايته أن الرشيد سأله عن مالك وقال : بلغني عنه أنه كان يحرم الغناء ، فقال إبراهيم : وهل لمالك أن يحلل أو يحرم ، ولا واللّه لابن عمك إلا بوحي من اللّه تعالى ، وما أدركت أحدا يحرم الغناء ، وما أدركت أحدا إلا وهو ينشد شيئا إلا ابن أبي لبيد ، فإنه كان يقول : لا آمر به ولا انهى عنه لأني لا أدري أحق هو أم باطل ؟ وأما نحن يا أمير المؤمنين فربما أعددناه في الحسنات وقد ساقها ، كذلك الفضل بن سلمة في كتاب ملاهي العرب .
( وأما أبو حنيفة ) رحمه اللّه تعالى ، ( فإنه كان يكره ذلك ويجعل سماع الغناء من الذنوب ، وكذلك سائر أهل الكوفة وسفيان الثوري ، وحماد ) بن أبي سليمان ، ( وإبراهيم ) ابن يزيد النخعي ، ( و ) عامر بن شراحيل ( الشعبي وغيرهم . فهذا كله نقله القاضي أبو الطيب الطبري ) في كتابه المذكور ، وانفرد بهذه النقول عن الأئمة دون أصحاب الشافعي ، وعليه اعتمد الطرطوشي ، وأبو العباس القرطبي ، وابن الجوزي ونقلوا عنه كثيرا في تصانيفهم في هذه المسألة وفي سياقه المذكور مؤاخذات سيأتي ذكرها في أثناء كلام المصنف .
وقد عقد الشهاب السهروردي في العوارف أبوابا في حكم السماع منها الباب الثالث والعشرون في القول فيه ردا وإنكارا قال فيه : وحيث كثرت الفتنة بطريقه وزالت العصمة فيه وتصدى للحرص عليه أقوام قلت آمالهم وانفسدت أحوالهم وأكثروا الاجتماع للسماع ، وربما يتخذ للاجتماع طعام تطلب النفوس الاجتماع لذلك لا رغبة القلوب في السماع كما أن من سير الصادقين فيصير السماع معلولا تركن إليه النفوس طلبا للشهوات واستحلاء لمواطن اللهو والغفلات ، وينقطع بذلك على المريد طلب المزيد ويكون بطريقه تضييع الأوقات وقلة الحظ من العبادات ، وتكون الرغبة في الاجتماع طلبا لتناول الشهوة واسترواحا إلى الطرب واللهو والعشرة ، ولا يخفى أن هذا الاجتماع مردود عند أهل الصدق فكان يقال لا يصح السماع إلا لعارف مكين ولا يصلح لمريد مبتدىء .
وقال الجنيد : إذا رأيت المريد يطلب السماع فأعلم أن فيه بقية من البطالة ، وقيل : إن الجنيد ترك السماع فقيل له : أما كنت تسمع فلم تمتنع ؟ فقال : مع من ؟ قيل له : تسمع أنت لنفسك . فقال : ممن لأنهم كانوا لا يسمعون إلا من أهل مع أهل ، فلما فقدوا سماع الإخوان تركوا فما اختاروا السماع حيث اختاروه إلا بشروط وقيود وآداب يذكرون به الآخرة ويرغبون به في الجنة ويحذرون به من النار ويزداد طلبهم وتحسن به أحوالهم ويتفق لهم ذلك اتفاقا في بعض الأحايين لا أن يجعلوه دأيا وديدنا حتى يتركوا لأجله الأوراد . وقد نقل عن الشافعي رضي اللّه عنه قال في كتاب آداب