وذلك يسهل أمر الاجتهاد فيها وتعلم به أدلة القبلة . فأما مقابلة العين فإنها تعرف بمعرفة مقدار عرض مكة عن خط الاستواء ، ومقدار درجات طولها وهو بعدها عن أول عمارة في المشرق . ثم يعرف ذلك أيضا في موقف المصلي ، ثم يقابل أحدهما بالآخر . ويحتاج فيه إلى آلات وأسباب طويلة ، والشرع غير مبني عليها قطعا . فإذا القدر الذي لا بد من تعلمه من أدلة القبلة : موقع المشرق والمغرب في الزوال ، وموقع الشمس وقت العصر .
فبهذا يسقط الوجوب .
فإن قلت : فلو خرج المسافر من غير تعلم ذلك هل يعصي ؟ فأقول : إن كان طريقه على قرى متصلة فيها محاريب ، أو كان معه في الطريق بصير بأدلة القبلة موثوق بعدالته
شرح
الاجتهاد فيها ويعلم أدلة القبلة ، فأما مقابلة العين فإنها تعرف بمعرفة مقدار عرض مكة عن خط الاستواء ) هي الدائرة التي في سطح دائرة معدل النهار على الأرض ، وإنما سميت بخط الاستواء لكون الفلك هناك متحركا على الاستواء ولاستواء الليل والنهار فيه أبدا بالتقريب ، ويعلم منه أيضا وجه التسمية بمعدل النهار ، ( و ) معرفة ( مقدار درجات طولها وهو بعدها عن أول عمارة في المشرق ) وهو الموضع المعروف بجزائر الخالدات وجزائر السعداء . وقيل : موضع يسمى بكنكدز يقال إن أرصاد علماء الهند كانت هناك وهو آخر العمارة في جهة المشرق على زعمهم ، وهذا الموضع هو مستقر الشياطين على زعم براهمة الهند ، وقيل : آخر عمارة المشرق جزيرة يسميها الهنود جمكوت وهي آخر عمارة تصل إليها ، والبعد بين كنكدز وبين الجزائر الخالدات مائة وثمانون درجة . قال الجفميني في شرح الملخص : طول مكة من جزائر الخالدات سبع وسبعون درجة وعشر دقائق ، وعرضها من خط الاستواء إحدى وعشرون درجة وأربعون دقيقة .
( ثم يعرف ذلك أيضا في موقف المصلى ) من أي بلد كان ، ( ثم يقابل أحدهما بالآخر ) وهذا لا بدّ من ذلك . وقد تقدم عن كتاب القبلة لأبي حنيفة الدينوري ما يؤيد ذلك فإنك إذا لم تقابل أحدهما بالآخر ، وأنت بمكة أين بلدك وكيف جهته ؟ فما ينفعك من النظر إلى الجدي ، ( ويحتاج فيه إلى آلات وأسباب طويلة ) وتلك الآلات هندسية ، ومن أشد ما يحتاج إليه في معرفة سمت القبلة الدائرة الممثلة بدائرة الأفق وهي معروفة عند أهل العلم وسهلة ، الصنعة عليهم . ( والشرع غير مبني عليها قطعا ) إذ لم يثبت ذلك عن السلف ، ( فإذا القدر الذي لا بدّ من تعلمه من أدلة القبلة موقع الشرق والغرب والزوال وموقع الشمس وقت العصر ، فهذا يسقط الوجوب .
فإن قلت : فلو خرج المسافر ) من مستقره إلى بلد آخر ( من غير تعلم ذلك هل يعصر ؟
فأقول : إن كان ) ذلك المسافر ( طريقه على قرى متصلة فيها محاريب ) للمسلمين معروفة في مساجدهم ، ( أو كان معه في الطريق ) رجل ( بصير ) عارف بأدلة القبلة ( موثوق بعدالته