إلا بأدلة هندسية يطول النظر فيها ؛ فكيف أدركوا ذلك على البديهة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ، ويدل أيضا من فعلهم أنهم بنوا المساجد حوالي مكة وفي سائر بلاد الإسلام ولم يحضروا قط مهندسا عند تسوية المحاريب ، ومقابلة العين لا تدرك إلا بدقيق النظر الهندسي .
وأما القياس ؛ فهو أن الحاجة تمس إلى الاستقبال وبناء المساجد في جميع أقطار
شرح
مسجدهم راكعون فقال : أشهد باللّه لقد صليت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت الحديث .
قوله : على أهل مسجد هو مسجد بني سلمة ومرّ عليهم في صلاة العصر ، وأما أهل قباء فما أتاهم إلا في صلاة الصبح هكذا أخرجه في أول الصحيح ، وأيضا في التفسير عن أبي نعيم ومحمد بن المثني والنسائي عن محمد بن بشار ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد ، عن الثوري ، عن أبي إسحاق عنه .
وأخرجه النسائي أيضا عن محمد بن حاتم ، عن حبان بن موسى ، عن ابن المبارك ، عن شريك عن أبي إسحاق . وأخرجه ابن ماجة عن علقمة بن عمر ، وعن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق ، وأخرجه الترمذي عن هناد عن وكيع عن إسرائيل بن يونس عن جده أبي إسحاق . وأخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن عبد اللّه بن جابر . وفي خبر الواحد عن يحيى عن وكيع كلاهما عنه به وأخرجه النسائي أيضا عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا ابن أبي زائدة عن أبي إسحاق ، وفيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي ، فمن صلى ، إلى جهة فتغير اجتهاده في أثنائها فإنه يستدير إلى الجهة الآخرة كما تقدم ، وفيه دليل على قبول خبر الواحد وهو مجمع عليه وفيه وجوب الصلاة إلى القبلة والإجماع على أنها الكعبة ، وبه يجتج على أن من صلّى بالاجتهاد إلى غير القبلة ثم تبين له الخطأ لا تلزمه الإعادة لأنه فعل ما عليه في ظنه مع مخالفة الحكم في نفس الأمر ، كما أن أهل قباء فعلوا ما وجب عليهم عند ظن بقاء الأمر فلم يؤمروا بالإعادة .
( ومقابلة العين من المدينة إلى مكة لا يعرف إلا بأدلة هندسية ) بترتيب آلات غريبة ( يطول النظر فيها ، فكيف أدركوه على البديهة في أثناء الصلاة ) إذ ورد عليهم الخبر وهم راكعون ، ( وفي ظلمة الليل ) إذ كانوا يصلون الصبح بغلس ، ( ويدل أيضا ) من فعلهم ( أنهم بنوا المساجد حول مكة وفي سائر بلاد الإسلام ) كالكوفة والبصرة ومصر والشام ومرو وقرقيسيا وغيرها ، ( ولم يحضروا قط مهندسا ) ولا منجما ( عند تسوية المحراب ) ولما كانوا يعرفون الأسطرلاب ، ( ومقابلة العين لا تدرك إلا بدقيق النظر في الهندسة ) ومعرفة آلات الفن .
( وأما القياس : فهو أن الحاجة تمس إلى الاستقبال وبناء المساجد في جميع أقطار الأرض