إن كانت الكعبة مما يمكن رؤيتها ، وإن كان يحتاج إلى الاستدلال عليها لتعذر رؤيتها فيكفي استقبال الجهة .
فأما طلب العين عند المشاهدة فمجمع عليه ، وأما الاكتفاء بالجهة عند تعذر المعاينة فيدل عليه الكتاب والسنّة وفعل الصحابة رضي اللّه عنهم والقياس .
أما الكتاب ؛ فقوله تعالى :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
[ البقرة : 150 ] أي نحوه . ومن قابل جهة الكعبة يقال قد ولى وجهه شطرها .
وأما السنّة ؛ فما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال لأهل المدينة : « ما بين المغرب
شرح
بالاجتهاد ( العين إن كانت الكعبة مما يمكن رؤيتها ) وهو أظهر القولين واتفق العراقيون على تصحيحه كما تقدم ، ( وإن كان يحتاج إلى الاستدلال عليها ) بالأدلة ( لتعذر رؤيتها ) بأن حال بينه وبينها حائل أصلي كالجبل أو طاريء كالبناء ، ( فيكفي استقبال الجهة ، وأما طلب العين عند المشاهدة فمجمع عليه ) وبه قال أصحابنا الحنيفة : ففي التجنيس للمرغيناني من كان بمعاينة الكعبة فالشرط إصابة عينها ومن لم يكن بمعاينتها فالشرط إصابة جهتها وهو المختار ، والمراد باستقبال الجهة عندنا أن يبقى شيء من سطح الوجه مسامتا للكعبة أو لهوائها لأن المقابلة ، إن وقعت في مسافة بعيدة لا تزول بما تزول به من الانحراف لو كانت في مسافة قريبة ، ويتفاوت ذلك بحسب تفاوت البعد وتبقى المسامتة مع انتقال مناسب لذلك البعد ، فلو فرض خط من تلقاء وجه المستقبل للكعبة على التحقيق في بعض البلاد وخط آخر يقطعه على زاويتين قائمتين من جانب يمين المستقبل أو شماله لا تزول تلك المقابلة ، والتوجه بالانتقال إلى الشمال على ذلك الخط بفراسخ كثيرة . ولذا وضع العلماء قبلة بلد وبلدين وثلاث على سمت واحد ، فجعلوا قبلة بخارى وسمرقند ونسف وترمذ وبلخ ومرو وسرخس مواضع الغروب إذا كانت الشمس في آخر الميزان ، وأوّل العقرب ، كما اقتضته الدلائل الموضوعة لمعرفة القبلة ، ولم يخرجوا لكل بلد سمتها لبقاء المقابلة والوجه في ذلك القدر ونحوه من المسافة . كذا في الدراية نقلا عن شيخه .
( وأما الاكتفاء بالجهة عند تعذر المعاينة فيدل عليه الكتاب والسنّة وفعل الصحابة رضي اللّه عنهم والقياس .
أما الكتاب فقوله تعالىوَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُأي نحوه ) هكذا فسره البيضاوي قال : وقيل الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء من شطر إذا انفصل ودار شطور أي منفصلة عن الدور ، ثم استعمل الشطر الجانب وإن لم ينفصل كالقطر ، وكذا قوله تعالىفَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ[ البقرة : 150 ] ( ومن قابل جهة الكعبة يقال قد ولى وجهه شطره ) قال البيضاوي : وإنما ذكر المسجد دون الكعبة لأنه صلّى اللّه عليه وسلم كان في المدينة والبعيد يكفيه مراعاته الجهة فإن استقبل عينها حرج عليه بخلاف القريب .
( وأما السنة فما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إنه قال لأهل المدينة « ما بين المغرب والمشرق