تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
الأدلة فله أن يعول عليها . فان بان له أنه أخطأ من جهة القبلة إلى جهة أخرى من
شرح
معرفة بعد أن لا يكون من قوم معروفين بالخلاف فيه لبدعة وهوى أو لجاج ، فإن أولئك لا يقتدى بهم . ولا يلتفت إليهم . واعلم أن لأولي العلم بغوامض هذا الباب أدلة لطيفة لا يختلفون فيها تضطر العاقلين من أهل القوّة عليه إلا أن أسبابه إذا صودفت على صحة أدت إلى اليقين الذي لا شك فيه . والعامة لا تضبط ذلك ولا تقوى على فهمه ، فمن ذلك أن تبدأ فتعلم بحيال أي درجة مكة ، وبحيال أي درجة البلد الآخر ، وعلى ذلك فإن علمه ممكن على عسر فيه شديد ، فإذا علمت ذلك على الحقيقة فقد علم قدر الاختلاف الذي بين الجزأين المتحاذيين للبلدين ، وعلمت حقيقة الجهتين أيضا ، ثم تعمل الدائرة الممثلة بدائرة الأفق فإذا خطت على ما ينبغي في البلد الذي يراد نصب قبلته وضعت مكة حينئذ موضعها الذي يجب لها من هذه الدائرة ، ثم أجيز على النقطة التي وضعت لمكة وعلى النقطة الموضوعة للمدينة الأخرى ، وهي مركز الدائرة خط يبلغ طرفه خط الدائرة فإذا خط هذا الخط على هذه الصفة بإحاطة فإن هذا الخط هو متوجه في سمت مكة لا محالة . ومن جعله حيال جهة فقد توجه جهة مكة من غير شك ، وليس يخفي على من سمع هذا النعت أنه إذا فعل فهو كما وصفنا ، وإن أحدا لا يستطيع دفعه وفعله ممكن بالبراهين المضطرة ، وما أكثر ما يتنازع الناس في أمر القبلة فيحتج المتنازعان جميعا بالجدي فاعلم أنه لا يقدر أن تصيب سمت مكة من بلد من البلدان إلا بعد أن تعلم وأنت بمكة اين سمت ذلك البلد فتضع الجدي منك في مثل ذلك الوقت بذلك الموضع الذي وجدته عليه بمكة ، فإذا فعلت ذلك أصبت ، فأما إذا لم تعلم وأنت بمكة أين بلدك وكيف جهته فما ينفعك من النظر إلى الجدي ، وإذا كان هذا هكذا فالاهتداء إلى بلدك بالجدي وأنت بمكة كاهتدائك إلى مكة بالجدي وأنت ببلدك ليس بينهما فرق ، فافهم ذلك وتوخ بالجدي وغير الجدي واحتط بجهدك وتحرّ بطاقتك فإنه ليس عليك أكثر من ذلك إلا أن تصادف عالما قد لطفت معرفته وبرع علمه فيوقفك عليه إن شاء اللّه تعالى . ( فمهما تعلم هذه الأدلة فله أن يعوّل عليها ) أي يعتمد ( فإن بان له ) في اجتهاده ( انه أخطأ من جهة القبلة إلى جهة أخرى من الجهات الأربع فينبغي أن يقضي ) اعلم أن المصلي بالاجتهاد إذا ظهر له الخطأ في الاجتهاد له أحوال . أحدها : أن يظهر قبل الشروع في الصلاة فإن تيقن الخطأ في اجتهاده أعرض عنه واعتمد الجهة التي يعلمها أو يظنها الآن ، وإن لم يتيقن بل ظن أن الصواب جهة أخرى ، فإن كان دليل الاجتهاد الثاني عنده أوضح من الأوّل اعتمد الثاني ، وإن كان الأوّل أوضح اعتمده ، وان تساويا فله الخيار فيهما على الأصح ، وقيل : يصلي إلى الجهة مرتين . الحال الثاني : أن يظهر الخطأ بعد الفراغ من الصلاة ، فإن تيقنه وجبت الإعادة على الأظهر سواء تيقن الصواب أيضا أم لا . وقيل القولان إذا تيقن الخطأ وتبين الصواب ، أما إذا لم يتيقن الصواب فلا إعادة قطعا والمذهب الأوّل ، فلو تبين خطأ الذي قلده الأعمى فهو كتيقن خطأ