تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
في هذا ما هو الأعون على الدين ، ونهاية ثمرة الدين في الدنيا تحصيل معرفة اللّه تعالى وتحصيل الأنس بذكر اللّه تعالى ، والأنس يحصل بدوام الذكر ، والمعرفة تحصل بدوام الفكر . ومن لم يتعلم طريق الفكر والذكر لم يتمكن منهما . والسفر هو المعين على التعلم في الابتداء . والإقامة هي المعينة على العمل بالعلم في الانتهاء . وأما السياحة في الأرض على الدوام فمن المشوّشات للقلب إلا في حق الأقوياء ، فإن المسافر وماله لعلى قلق إلا ما وقى اللّه ، فلا يزال المسافر مشغول القلب تارة بالخوف على نفسه وماله ، وتارة بمفارقة مألفه واعتاده في إقامته . وإن لم يكن معه مال يخاف عليه فلا يخلو عن الطمع والاستشراف إلى الخلق ، فتارة يضعف قلبه بسبب الفقر ، وتارة يقوى باستحكام أسباب الطمع . ثم الشغل بالحط والترحال مشوّش لجميع الأحوال ، فلا ينبغي أن يسافر المريد إلا في طلب علم أو مشاهدة شيخ يقتدي به في سيرته وتستفاد الرغبة في
شرح
حق الأكثرين . والأفضل في هذا ما هو الأعون في الدين ) وقال القشيري في رسالته : هذه الطائفة مختلفون فمنهم من آثر الإقامة على السفر ولم يسافر إلا لغرض كحجة الإسلام ، والغالب عليهم الإقامة مثل الجنيد ، وسهل بن عبد اللّه ، وأبي يزيد البسطامي ، وأبي حفص الحداد وغيرهم . ومنهم من آثر السفر وكانوا على ذلك إلى أن خرجوا من الدنيا مثل أبي عبد اللّه المغربي ، وإبراهيم بن أدهم وغيرهم وكثير منهم سافروا في ابتداء أمورهم في حال شبابهم أسفارا كثيرة ، ثم قعدوا عن السفر في آخر أحوالهم مثل أبي عثمان الحيري والشبلي وغيرهما ، ولكل واحد منهم أصول بنوا عليها طريقتهم انتهى . ( ونهاية ثمرة الدين في الدنيا تحصيل معرفة اللّه تعالى وتحصيل الانس بذكر اللّه تعالى والانس يحصل بدوام الذكر ) حتى يغمر قلبه ، ( والمعرفة تحصل بدوام الفكر ) بالمراقبة ، ( ومن لم يتعلم طريق الفكر والذكر لم يتمكن منهما ) أي لم يكن له نصيب منهما ( والسفر هو المعين على التعلم في الابتداء والإقامة هي المعينة على العمل بالعلم في الانتهاء . فأما السياحة في الأرض على الدوام ، فمن المشوّشات للقلب إلا في حق الأقوياء ) مثل إبراهيم بن أدهم وأضرابه ، ( فإن المسافر وماله ) كل منهما ( لعلى قلق ) محركة أي تعب وهلاك ( إلا ما وقى اللّه ) وحفظه ( فلا يزال المسافر مشغول القلب تارة بالخوف على نفسه ) من الأعداء ( وماله ) من السراق ، ( وتارة بمفارقة ما ألفه واعتاده ) وأنس به ( في إقامته وإن لم يكن معه مال يخاف عليه ) من التلف ( فلا يخلو عن الطمع والاستشراف ) والتطلع ( إلى الخلق فتارة يضعف قلبه بسبب الفقر فيعتريه فتور ، وتارة يقوى باستحكام أسباب الطمع ) فيه فتنزرع فيه أنواع الخبائث ، ( ثم الشغل بالحط والترحال ) من بقعة إلى بقعة ( مشوّش بجميع الأحوال ) مشتت للبال ، ( فلا ينبغي أن يسافر المريد إلا في طلب علم )