الخير من مشاهدته ، فإن اشتغل بنفسه واستبصر وانفتح له طريق الفكر أو العمل فالسكون أولى به ، إلا أن أكثر متصوّفة هذه الأعصار - لما خلت بواطنهم عن لطائف الأفكار ودقائق الأعمال ولم يحصل لهم أنس باللّه تعالى وبذكره في الخلوة وكانوا بطالين غير محترفين ولا مشغولين - قد ألفوا البطالة واستثقلوا العمل ، واستوعروا طريق الكسب واستلانوا جانب السؤال والكدية ، واستطابوا الرباطات المبنية لهم في البلاد واستسخروا الخدم المنتصبين للقيام بخدمة القوم واستخفوا عقولهم وأديانهم ، من حيث لم يكن قصدهم من الخدمة إلا الرياء والسمعة وانتشار الصيت واقتناص الأموال بطريق السؤال تعللا بكثرة الأتباع ، فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم نافذ ، ولا تأديب للمريدين نافع ، ولا حجر عليهم قاهر ، فلبسوا المرقعات واتخذوا في الخانقاهات منتزهات ، وربما تلقفوا ألفاظا مزخرفة من أهل الطامات ، فينظرون إلى أنفسهم وقد تشبهوا بالقوم في خرقتهم وفي سياحتهم وفي لفظهم وعبارتهم وفي آداب ظاهرة من سيرتهم ، فيظنون بأنفسهم خيرا
شرح
واجب ( أو مشاهدة شيخ يقتدي به في سيرته ) الظاهرة والباطنة ( وتستفاد الرغبة في الخير من مشاهدته ) وملاقاته ، ( فإن اشتغل بنفسه ) بمداومة الذكر القلبي ( واستبصر ) فيه ( وانفتح له ) باب ( طريق الفكر ) الصحيح ( والعمل ) المطابق بالسنة ( فالسكون ) في حقه في مستقره ( أولى به وأرفق ) لحاله ، وهذا هو الحق الصريح الذي أشار إليه السادة النقشيندية ( إلا أن أكثر متصوّفة هذه الأعصار لما خلت بواطنهم عن لطائف الأفكار ودقائق الأعمال ) لفترات عرضتها ولم يقدروا على إزالتها ، ( ولم يحصل لهم أنس باللّه تعالى وبذكره في الخلوة ) ووقفوا عن السير ومالوا إلى الغير . ( وكانوا بطالين ) أي من أهل البطالة ( غير محترفين ولا مشغولين قد ألفوا البطالة ) ومالت نفوسهم إليها ( واستثقلوا العمل واستوعروا طريق الكسب ) أي وجدوها وعرة المسلك ، ( واستلانوا جانب السؤال ) والتكفف ( والكدية ) أي الاستجداء من الناس ( واستطابوا ) سكنى ( الرباطات ) والخانقاهات ( المبنية لهم ) أي بإسمهم ( في ) سائر ( البلاد واستسخروا الخدم ) أي جعلوهم مسخرين منقادين ، ( المنتصبين للقيام بخدمة القوم واستخفوا عقولهم وأديانهم من حيث لم يكن لهم قصد من الخدمة إلا الرياء والسمعة ) للناس ، ( وانتشار الصيت ) بينهم والشهرة ، ( واقتناص الأموال بطريق السؤال ) وأنواع الاحتيال ( تعللا بكثرة الاتباع ) والواردين ، ( فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم نافذ ولا تأديب للمريدين نافع ولا حجر عليهم قاهر يقهرهم عما لا يليق ( فلبسوا المرقعات ) أي الخرق الملفقة من أنواع الصوف والخز وغيره ( واتخذوا في الخانقاهات منتزهات ) من مياه جارية وأشجار مغروسة وفرش مبسوطة ، ( وربما تلقفوا ألفاظا مزخرفة من الطامات ) وهي ما فيها شطح ( فينظرون إلى أنفسهم وقد تشبهوا بالقوم في خرقهم وفي سياحتهم وفي لفظهم وفي عبارتهم وفي آداب ظاهرة من سيرتهم