ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ويعتقدون أن كل سوداء تمرة ، ويتوهمون أن المشاركة في الظواهر توجب المساهمة في الحقائق وهيهات ! فما أغزر حماقة من لا يميز بين الشحم والورم ؟ فهؤلاء بغضاء اللّه فإن اللّه تعالى يبغض الشاب الفارغ . ولم يحملهم على السياحة إلا الشباب والفراغ ، إلا من سافر لحج أو عمرة في غير رياء ولا سمعة ، أو سافر لمشاهدة شيخ يقتدي به في علمه وسيرته وقد خلت البلاد عنه الآن والأمور الدينية كلها قد فسدت وضعفت إلا التصوّف فإنه قد انمحق بالكلية وبطل ، لأن العلوم لم تندرس بعد ، والعالم وإن كان عالم سوء فإنما فساده في سيرته لا في علمه ، فيبقى عالما غير عامل بعلمه ، والعمل غير العلم .
شرح
فيظنون بأنفسهم خيرا ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ويعتقدون أن كل سوداء تمرة ) وأن كل بيضاء شحمة ، ( ويتوهمون أن المشاركة ) لهم ( في الظاهر ) من الأقوال والأفعال ( توجب المساهمة ) أي المقاسمة ( في الحقائق ) الباطنة ( وهيهات ! فما أغزر حماقة ) أي قلة عقل ( من لا يميز بين الشحم والورم ) ؟ كلاهما ككتف أي فيستسمن كل ذي ورم ويظن أن به شحما ( فهؤلاء بغضاء اللّه تعالى فإن اللّه تعالى يبغض الشاب الفارغ ) أخرج سعيد بن منصور في سننه من قول ابن مسعود : إني لأكره الرجل فارغا لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة ، ورواه أحمد وابن المبارك والبيهقي كلهم في الزهد ، وإن أبي شيبة من طريق المسيب بن رافع قال :
قال ابن مسعود : إني لأمقت الرجل أراه فارغا ليس في شيء من عمل دنيا ولا آخرة ، وهو عند الزمخشري في سورة الانشراح من قول عمر رضي اللّه عنه بلفظ : « إني لأكره أحدكم سبهللا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة ، ويحتمل أن يكون المراد بالشاب هنا الصحيح ، فقد قال العسكري في الأمثال الصحة عند بعضهم الشباب ، والعرب تجعل مكان الصحة الشباب كما قالوا القلب الفارغ والشباب المقبل يكسب الآثام ، وكان يقال : إن لم يكن الشغل محمدة فالفراغ مفسدة والقلب الفارغ يبحث عن السوء .
( ولم يحملهم على السياحة ) من أرض إلى أرض ( إلا الشباب والفراغ إلا من سافر لحج أو عمرة في غير رياء ولا سمعة أو سافر لمشاهدة شيخ يقتدي به في علمه وسيرته وقد خلت البلاد عنه الآن ) هذا في زمن المصنف فكيف بزماننا الآن وقد كمل المائتان بعد الألف ؟
( والأمور الدينية كلها قد فسدت وضعفت إلا التصوّف فإنه قد انمحق ) وزال حتما رسمه ( بالكلية وبطل ) أمره ( لأن العلوم لم تندرس بعد ) ففي طلابها كثرة ، ( والعالم وإن كان عالم سوء فإنما فساده في سيرته لا في علمه فيبقى عالما غير عامل بعلمه و ) لا يخفى أن ( العمل غير العلم ) فالعلم شيء والعمل شيء ، ولا يلزم من فساد العمل فساد العلم ، ولكن لما كان المقصود من العلم هو للعمل أطلقوا اسم الفساد على العلم بوجود الفساد في العمل وقالوا هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل .