ومرغوب فيه . والسفر سفران : سفر بظاهر البدن عن المستقر والوطن إلى الصحاري والفلوات ، وسفر يسير القلب عن أسفل السافلين إلى ملكوت السماوات ، وأشرف السفرين السفر الباطن فإن الواقف على الحالة التي نشأ عليها عقيب الولادة الجامد على ما تلقفه بالتقليد من الآباء والأجداد لازم درجة القصور وقانع بمرتبة النقص ومستبدل بمتسع فضاء
جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
[ آل عمران : 133 ] ظلمة السجن وضيق الحبس ، ولقد صدق القائل :
ولم أر في عيوب الناس عيبا * كنقص القادرين على التمام
إلا أن هذا السفر لما كان مقتحمه في خطب خطير لم يستغن فيه عن دليل وخفير ، فاقتضى غموض السبيل وفقد الخفير والدليل وقناعة السالكين عن الحظ الجزيل بالنصيب النازل القليل اندراس مسالكه فانقطع فيه الرفاق وخلا عن الطائفين منتزهات الأنفس
شرح
ما سعى به إلى فساد ، ( والسفر سفران ) : سفر ظاهري وهو أن يخرج ( بظاهر البدن ) مفارقا ( عن المستقر والوطن ) متوجها ( إلى الصحارى والفلوات ) وهي لا أنيس بها ( و ) سفر ( باطني وهو يسير القلب ) منتقلا ( عن ) عدوة ( أسفل سافلين ) وهو العالم السفلي متجاوزا ( إلى ملكوت السماوات ) وهو العالم العلوي ، ( وأشرف السفرين السفر الباطن ) الذي هو يسير القلب من عالم إلى عالم وأصل هذا في الرسالة للقشيري قال : واعلم بأن السفر على قسمين :
سفر بالبدن وهو انتقال من بقعة إلى بقعة ، وسفر بالقلب وهو ارتقاء من صفة إلى صفة ، فترى أنه يسافر بنفسه وقليل من يسافر بقلبه . سمعت أبا علي الدقّاق يقول : كان بفرخك من قرى نيسابور شيخ من هذه الطائفة سأله بعض الناس هل سافرت ؟ فقال : سفر الأرض أم سفر السماء ؟
سفر الأرض لا . وسفر السماء بلى انتهى .
( فإن الواقف على الحالة التي نشأ عليها عقيب الولادة ) من حال صغره ( الجامد على ما تلقنه ) أي تناوله ( بالتقليد من الآباء والأجداد ) ومن في حكمهم من شيوخ بلده ( لازم درجة القصور قانع بمرتبة النقص ومستبدل بمتسع فضاء عرضه السماوات والأرض ) وهي الجنة ( ظلمة السجن وضيق الحبس ) أي الدنيا ( ولقد صدق القائل :ولم أر في عيوب الناس عيبا * كنقص القادرين على التمامإلا أن هذا السفر لما كان مقتحمه ) أي مرتكبه ( في خطب خطير ) أي عظيم ( لم يستغن فيه عن ) استصحاب ( دليل ) يدل على الطريق الصحيح والمحجة الواضحة ( وخفير ) يخفره من نكاية الأعداء ، ( فاقتضى غموض السبيل ) أي دقته ( وفقد الخفير والدليل ) معا ( واقتناع السالكين من الحظ الجزيل ) أي الوافر ( بالنصيب النازل ) وفي نسخة النزر ( القليل اندراس مسالكه ) وانطماس آثارها ( فانقطعت فيه الرفاق ) جمع رفيق ( وخلا عن الطائفين منتزهات