تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
وأما الرياء ؛ فهو الداء العضال الذي يعسر على الأبدال والأوتاد الاحتراز عنه . وكل من خالط الناس داراهم ، ومن داراهم راءاهم ومن راءاهم وقع فيما وقعوا فيه وهلك كما هلكوا . وأقل ما يلزم فيه النفاق فإنك إن خالطت متعاديين ولم تلق كل واحد منهما بوجه يوافقه صرت بغيضا إليهما جميعا ، وإن جاملتهما كنت من شرار الناس . قال عليه الصلاة والسلام : « إن من شرار الناس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه » ، وأقل ما يجب في مخالطة الناس إظهار الشوق والمبالغة فيه ولا يخلو ذلك عن كذب إما في
شرح
( وأما الرياء فهو الداء العضال ) أي المشكل مداواته ( الذي يعسر على ) طائفة ( الأبدال والأوتاد الاحتراز عنه ) فكيف بغيرهم . أما الابدال فقد تقدم ذكرهم ، والأوتاد أربعة في كل زمن لا يزيدون ولا ينقصون . قال الشيخ الأكبر قدس سره : رأيت منهم رجلا بمدينة فاس ينخل الحناء بالأجرة اسمه ابن جعدون أحدهم بحفظ اللّه به المشرق وولايته فيه ، والآخر المغرب ، والآخر الجنوب ، والآخر الشمال ، ويعبر عنهم بالجبال فحكمهم في العالم حكم الجبال في الأرض ، وألقابهم في كل زمن عبد الحي وعبد المريد وعبد العليم وعبد القادر . ( وكل من خالط الناس ) وعاشرهم ( داراهم ) أي عاملهم بالمداراة ، ( ومن داراهم راياهم ) أي عاملهم بالرياء ( ومن راياهم وقع فيما وقعوا وهلك فيما هلكوا ) نقله صاحب القوت عن الثوري وهو في الرسالة للقشيري عن يحيى بن أبي كثير إلى قولهم راياهم . ( وأول من يلزم فيه ) أي الرياء ( النفاق ) وهو اظهار ما في الباطن خلافه ، ( فإنك إذا خالطت متعاديين ) أي شخصين كل منهما عدو للآخر ( ولم تلق كل واحد منهما بوجه يوافقه ) في رأيه وهواه ( صرت بغيضا إليهما جميعا وإن جاملتهما كنت من شرار الناس ) واستثنى من ذلك ما كان القصد فيه الإصلاح . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم « تجدون من شرار الناس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه » ) قال العراقي : متفق عليه من حديث أبي هريرة اه . قلت : وكذا رواه أحمد ولفظهم جميعا « تجدون الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهة قبل أن يقع فيه وتجدون شر الناس يوم القيامة ذا الوجهين الذين يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه » . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن من شرار الناس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه » ) قال العراقي : رواه مسلم من حديث أبي هريرة وهو الذي قبله اه . قلت : وقد تقدم ذلك في آخر كتاب قواعد العقائد وفي بعض النسخ بل أكثرها الاقتصار على الحديث ، ( وأقل ما يحبب في المخالطة للناس إظهار الشوق ) لملاقاتهم ( والمبالغة فيه ) كان يقول : لا أرتاح إلا برؤياك أواني أتذكرك في كل ساعة وأمثال ذلك ، ( ولا يخلو ذلك عن