تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
قربه من الدار وبعده ، ويظهر التفاوت عند النسبة حتى أن البلدي في بلاد الغربة يجري مجرى القريب في الوطن لاختصاصه بحق الجوار في البلد . وكذلك حق المسلم يتأكد بتأكد المعرفة . وللمعارف درجات فليس حق الذي عرف بالمشاهدة كحق الذي عرف بالسماع بل آكد منه والمعرفة بعد وقوعها تتأكد بالاختلاط . وكذلك الصحبة تتفاوت درجاتها فحق الصحبة في الدرس والمكتب آكد من حق صحبة السفر . وكذلك الصداقة تتفاوت فإنها إذا قويت صارت اخوة فإن ازدادت صارت محبة فإن ازدادت صارت
شرح
النسبة حتى أن البلدي ) الذي هو من نفس بلده إذا وجد ( في بلاد الغربة ) فإنه ( يجري مجرى القريب في الوطن لاختصاصه بحق الجوار في البلد ) حتى كاد أن يكون أولى به من غيره ، ( وكذلك حق المسلم يتأكد بتأكد المعرفة وللمعارف درجات ) متفاوتة ، ( فليس حق الذي عرف بالمشاهدة ) والنظر كحق الذي عرف بالسماع من أفواه الناس ( بل آكد منه ، والمعرفة بعد وقوعها تتأكد بالاختلاط ) والاصطحاب ، ( وكذلك الصحبة تتفاوت درجاتها فحق الصحبة في المدرسة والمكتب آكد من حق صحبة السفر ) فإن الصاحب في السفر يفارق عن قرب وتنتهي صحبته بانتهاء السفر وعمر السفر قصير بخلاف صحبة المكتب وصحبة المدرسة فإنها تستدعي طول الزمن ، ( وكذلك الصداقة تتفاوت فإنها إذا قربت صارت أخوة فإذا ازدادت صارت محبة فإذا ازدادت صارت خلة ) . وفي القوت : اعلم أن للناس في التعارف سبع مقامات بعضها فوق بعض ، فأول ذلك المعرفة في الرؤية أو السمع فقط فلهذا حرمة الإسلام وحق العامة ثم المجاورة ، وله حق وهي ثاني حقوق الإسلام وهذا هو الجار الجنب ثم المرافقة في طريق السفر ، وهذا هو الصاحب بالجنب في أحد الوجهين من الآية . فلهذا ثلاثة حقوق لأنه قد جمع حرمة الإسلام وحرمة الجوار وزاد عليها بأنه ابن سبيل ، ثم الصحبة وهي الملازمة والاتباع فهذا فوق ذلك ، ثم الصداقة وهي حقيقة الأخوة ، ومنها تكون المعاشرة وهو اسم تكون معه المخالطة وتوجد فيه المؤانسة وهو حكم يحكم عليه بالمزاورة والمبايتة والمؤاكلة ، وهذا جملة العشرة والعشير هو الخليط المقارب ولذلك سمي به الزوج في الخبر « ويكفرن العشير » ويطلق على ابن العم المختلط به وبه فسر قوله تعالى :وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ[ الحج : 13 ] والمعاشرة تقع بين اثنين لا محالة كان كل واحد قد فعل مثله ، ثم الاخوة فوق الصداقة وهذا لا يكاد يكون إلا بين النظراء في الحال والمتقارنين في الجنس والمعاني ، بأن يوجد في أحدهما من القلب والهمة والعلم والخلو والعقل ما يوجد في الآخر وإن تفاوتا حكما قال اللّه تعالى :إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِوليسوا من جنسهم ولا على وصفهم من الخلقة ، ولكن لما تشابهت قلوبهم وأحوالهم آخى بينهم فهذه أخوة الحال وهي حقيقة الصداقة ، ثم المحبة وهي خاصة الأخوة وهذا ما يجعله اللّه تعالى من الإلفة ويوجده من الإنس في القلوب يتولاه بصنعه ولا يوليه غيره وهو ارتياح القلوب وانشراح الصدور ووجد السرور وفقد الوحشة وارتفاع الحشمة .