تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
الأكل عنده ، وعلى الملك أن يحتمل كل شيء إلا افشاء السر والقدح في الملك والتعرض للحرم . ولا تجالس العامة ، فإن فعلت فأدبه ترك الخوض في حديثهم وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم والتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم وقلة اللقاء لهم مع الحاجة إليهم . وإياك أن تمازح لبيبا أو غير لبيب فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه يجترىء عليك لأن المزاح يخرق الهيبة ويسقط ماء الوجه ويعقب الحقد ويذهب بحلاوة الود ويشين فقه الفقيه ويجرّىء السفيه ويسقط المنزلة عند الحكيم ويمقته المتقون ، وهو يميت القلب ويباعد عن الرب تعالى ويكسب الغفلة ويورث الذلة وبه تظلم السرائر وتموت الخواطر وبه تكثر العيوب وتبين الذنوب . وقد قيل : لا يكون المزاح إلا من سخف أو بطر . ومن بلي في مجلس بمزاح أو
شرح
الحرص وهو مذموم ، ( ولا تتخلل بعد الأكل عنده ) فإنه ربما يتقذر منه فينفر عنك ، ( وعلى الملك أن يتحمل ) من جليسه ( كل شيء إلا إفشاء السر ) فإنه مذموم لا يتحمل ( و ) كذلك ( القدح في الملك ) فإنه وخيم ( والتعرض للحرم ) فإنه يوجب التحفظ . ( ولا تجالس العامة ) من الناس مهما أمكنك فإنه يسلب الراحة ( فإن فعلت ) وبليت بذلك ( فأدبه ترك الخوض في حديثهم وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم ) وهي الأقوال السيئة والأخبار الكاذبة ، وقد أرجف القوم الشيء وبه إذا أكثروا من تلك الأقوال والأخبار حتى يضطر الناس بها ( والتغافل عما يجري في سوء ألفاظهم ) واختلاف أقوالهم ( وقلة اللقاء لهم مع الحاجة إليهم ) على قدر ما يقتضي الحال . ( وإياك أن تمازح لبيبا أو غير لبيب فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه يتجرأ عليك ) . اعلم أن المزاح إذا كان على الاقتصاد محمود ، ففي الخبر : إني لأمزح ولا أقول إلا حقا . وقال سعيد بن العاصي لابنه : اقتصد في مزاحك فالإفراط فيه يذهب بالبهاء ويجريء عليك السفهاء وتركه يقبض المؤانسين ويوحش المخاطبين ولكن الاقتصاد فيه صعب جدا لا يكاد يوقف عليه ، ولذلك تحرج منه أكثر الحكماء وإليه أشار المصنف بقوله : ( فإن المزاح يخرق الهيبة ) أي يذهب بها فلا يهاب ( ويسقط ماء الوجه ) أي الحياء وإليه أشار الشاعر :فإن إراقة ماء الحياة * دون إراقة ماء المحيا( ويعقب الحقد ويذهب بحلاوة الود ويشين فقه الفقيه ويجريء ) عليك ( السفيه ويسقط المنزلة عند الحكيم ويمقته المتقون ويميت القلب ويباعد عن الرب ويكسب الغفلة ويورث الذلة ) والاحتقار ، ( وبه تظلم السرائر ) أي تسود البواطن ( وتموت الخواطر ، وبه تكثر العيوب وتبين الذنوب ) ومثل ذلك قال بعض الحكماء : المزاح مسلبة للبهاء مقطعة للإخاء وهو لا ينتج إلا الشر ، وروى ابن عساكر من حديث أبي هريرة « من كثرت دعابته ذهبت جلالته ومن كثر مزاحه ذهب وقاره » وقال : غريب المتن والإسناد . ( وقد قيل : لا يكون المزاح إلا من
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 164 | مرتضى الزبيدي