وبينه وعقدت اخاءه في اللّه لرسالتك ولمسألته على أن لا يزورني إن كره ذلك ، ولكني أزوره متى أحببت ، ومره أن يلقاني في مواضع نلتقي بها ، ومره أن لا يخفي عليّ شيئا من شأنه وأن يطلعني على جميع أحواله ، فأخبر ابن سالم بشرا بذلك فرضي وسرّ به ، فهذا جامع حقوق الصحبة وقد أجملناه مرة وفصلناه أخرى ، ولا يتم ذلك إلا بأن تكون على نفسك للإخوان ولا تكون لنفسك عليهم وأن تنزل نفسك منزلة الخادم لهم فتقيد بحقوقهم جميع جوارحك .
شرح
المسور بن مخرمة : « فاطمة بضعة مني فمن أبغضها أغضبني » وعند أحمد والطبراني : « يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها » .
( وأنا أشهدك إني قد عقدت له أخوة بيني وبينه وعقدت إخاءه في اللّه تعالى ) ولفظ القوت : واعتقدت إخاءه في اللّه عز وجل ( لرسالتك ومسألتك على أن لا يزورني إن كره ذلك ولكني أزوره متى أحببت وآمره إن يلقاني في مواضع نلتقي فيها ، وآمره أن لا يخفي على شيئا من شأنه وأن يطلعني على جميع أحواله ) قال : ( فأخبر ابن سالم بشرا بذلك فرضي وسر به ) قال صاحب القوت : وهذا أسود بن سالم أحد عقلاء الناس وفضلائهم ، وكان فيه اتساع للناس وجرى عليه ، وهو الذي أشار به معروف على الرجل الذي سأله مستشيرا فقال : يا أبا محفوظ هذان الرجلان إماما هذا البلد أشر على أيهما أصحب فإني أريد أن أتأدب به ؟ إما أحمد ابن حنبل ، وإما بشر بن الحرث فقال معروف رحمه اللّه تعالى : لا تصحب واحدا منهما أبدا فإن أحمد صاحب حديث كثير وهو كثير الاشتغال بالناس ، فإن صحبته ذهب ما تجد في نفسك من حلاوة الذكر وحب الخلوة والعبادة ، وأما بشر فإنه لا يتفرغ لك ولا يقبل عليك شغلا منه بحاله ، ولكن اصحب أسود بن سالم فإنه يصلح لك ويقبل عليك ففعل الرجل ذلك فانتفع به وإنما ضمه إلى أسود لأنه أشبه بحاله .
وكذلك روينا في حديث المؤاخاة الذي آخى فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الذي آخى بين كل اثنين شكلين في العلم والحال . آخى بين أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنهما وهما نظيران ، وآخى بين سلمان وأبي الدرداء رضي اللّه عنهما وهما شكلان في العلم والزهد ، وآخى بين عمار وسعد وكانا نظيرين ، وآخى بينه وبين علي رضي اللّه عنه وهذا من أعلى فضائل علي كرم اللّه وجهه لأن علمه من علمه وحاله من وصفه ، ثم آخى بين الغني والفقير ليعتدلا في الحال وليعود الغني على أخيه الفقير بالمال .
( فهذا جامع حقوق الصحبة وقد أجملناه مرة وفصلناه أخرى ، ولا يتم ذلك إلّا بأن تكون على نفسك للإخوان ولا تكون لنفسك عليهم ) وهذا قد تقدم قريبا عند ذكر قول بعضهم : صحبت الناس خمسين سنة فما وقع بيني وبينهم خلاف لأني كنت معهم على نفسي ، ( وأن تنزل نفسك عندهم منزلة الخادم لهم فتقيد بحقوقهم جميع جوارحك ) الظاهرة .