بغير عوض فإنه لا يرضى بذلك وإنما يقدم اعتمادا على عوضه من الوقف ، فهو معاوضة ولكن ليس ببيع ولا إقراض لأنه لو انتهض لمطالبتهم بالثمن استبعد ذلك وقرينة الحال لا تدل عليه . فأشبه أصل ينزل عليه هذه الحالة الهبة بشرط الثواب - أعني هدية لا لفظ فيها من شخص تقتضي قرينة حاله أنه يطمع في ثواب - وذلك صحيح والثواب لازم وههنا ما طمع الخادم في أن يأخذ ثوابا فيما قدمه إلا حقهم من الوقف ليقضي به دينه من الخباز والقصاب والبقال ، فهذا ليس فيه شبهة إذ لا يشترط لفظ في الهدية ولا في تقديم الطعام وإن كان مع انتظار الثواب ، ولا مبالاة بقول من لا يصحح هدية في انتظار ثواب .
شرح
بغير عوض ) ، فالضيافة بالكسر اسم للطعام الذي يقرب للضيف عند نزوله عنده والهدية ما يبعث للغير على سبيل الإكرام ( فإنه لا يرضى بذلك وإنما يقدم ) ما يقدم ( اعتمادا على عوضه من الوقف فهو معاوضة ) إذا تأملت فيه ، ( ولكن ليس ببيع ولا إقراض لأنه لو انتهض لمطالبتهم بالثمن ) عما قدمه إليهم ( استبعد ذلك وقرينة الحال لا تدل عليه ، فأشبه أصل ينزل عليه هذه الحالة الهدية بشرط الثواب أعني هدية لا لفظ فيها من شخص تقتضي قرينة حالة أن يطمع في ثواب ) أي عوض ، ( وذلك صحيح لازم ) ، وههنا ما طمع الخادم في أن لا يأخذ ( ثوابا عما قدمه ) إليهم ( إلا حقهم في الوقف ) عليهم ( ليقضي به دينه من القصاب والخباز والبقال ) وسائر الأصناف ، ( فهذا ليس فيه شبهة ) لأنه بمنزلة الهدية ( إذ لا يشترط لفظ في الهدية ولا في تقديم الطعام وإن كان مع انتظار الثواب ولا مبالاة بقول من قال : لا تصح هدية في انتظار ثواب ) وفي فصل المقال للتقي السبكي ، قال القاضي ابن كج ، فيما حكاه الرافعي عنه : العطية للحكام إن كانت على أن يحكم بغير الحق أو يقف عن الحكم بالحق فهي الرشوة وإن كانت مطلقة فهي الهدية اه .
قال : قوله إن كانت مطلقة إن عني بالإطلاق أن لا يقترن بها لفظ يدل على الشرط فالهدايا لا يشترط فيه لفظ ، وإنما الاعتبار فيها بالفعل والقصد فمتى قصد ترتب عليه الحكم وإن لم يترتب وليست كعقود البيع والهبة ونحوها مما ينظر فيه إلى اللفظ من غير اعتبار القصد على أنا هنا يجب أن ننظر إلى القصد حتى لو باعه بمحاباة لأجل ذلك كان كالهدية ، كما أنا في الوصية نجعلها من الثلث أعني قدر المحاباة ، ومحاباة القاضي كالهدية تعتبر فيها القصود المذكورة ، فإذا كانت لأجل الحكم فهي رشوة ، وإن عني بالاطلاق أن لا يقترن بها قصد التوصل بها إلى الحكم فصحيح أنها هدية وليست برشوة حقيقة ، ولكن هل يسلك بها مسلك الرشوة فيحرمها أو مسلك الهدايا المباحة ؟ ليس في كلامه تصريح بذلك . وقد تقدم قولنا وقول الغزالي فيها اه . وسيأتي الكلام على هذا في آخر الباب الذي يليه إن شاء اللّه تعالى .