استحبابا وأمرا . فسبحان من كتب الموت على عباده فأذلهم به هدما وكسرا ، ثم بث بذور النطف في أراضي الأرحام وأنشأ منها خلقا وجعله لكسر الموت جبرا . تنبيها على أن بحار المقادير فياضة على العالمين نفعا وضرا ، وخيرا وشرا ، وعسرا ويسرا ، وطيا ونشرا . والصلاة والسلام على محمد المبعوث بالإنذار والبشرى وعلى آله وأصحابه صلاة لا يستطيع لها الحساب عدا ولا حصرا ، وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد ؛ فإن النكاح معين على الدين ومهين للشياطين وحصن دون عدو اللّه حصين
شرح
والأمر براعة استهلال إذ من النكاح ما هو مندوب إليه ، ومنه ما هو مستحب ، ومنه ما هو مأمور به كما سيأتي وبين أمرا وإمرا جناس .
( فسبحان من كتب الموت ) أي قدره ( على عباده وأذلهم به هدما ) لعزهم ( وكسرا ) لشكيمتهم ، وفي الخبر : « اذكروا هاذم اللذات » يروى بالدال المهملة وإعجامها ، والأول ظاهر ، والثاني من الهذم وهو القطع ، وبين الجبر والكسر حسن المقابلة ، ( ثم بث ) أي نشر ( بذور ) جمع بذر اسم الحب الذي يبذر أي يزرع ( النطف ) جمع نطفة أراد بها المني وتسمى النطفة بذرا لأنها حب النسل ( في أراضي الأرحام ) جمع الرحم ككتف هو موضع تكون الولد ، ( وأنشأ منها خلقا ) آخر من نطفة إلى علقة إلى مضغة مخلقة وغير مخلقة خلقا من بعد خلق فتبارك اللّه أحسن الخالقين . ( وجعله لكسر الموت جبرا ) أي إصلاحا ( تنبيها ) لأهل الاعتبار ( على أن بحار المقادير ) الإلهية ( فائضة ) أي جارية عامة ( على العالمين نفعا وضرا ، وخيرا وشرا ، وطيا ونشرا ، ويسرا وعسرا ) . وبين هذه الألفاظ حسن المقابلة ، وكل منها ضد الآخر ، وبين يسرا ونشرا جناس . وقد أشار بهذه الجملة إلى معتقد أهل السنة والجماعة بأن النفع والضر ، والخير والشر ، والطي والنشر ، والعسر واليسر كله بتقدير اللّه عز وجل لا فاعل في الحقيقة إلا اللّه عز وجل ، ( والصلاة ) الكاملة ( على سيدنا ) ومولانا ( محمد المبعوث ) من ربه إلى العالمين ( بالإنذار ) وهو الإعلام بما يجوز من العذاب ( والبشرى ) هي إظهار غيب المسرة بالقول ، ومن أسمائه صلّى اللّه عليه وسلم الميسر والمنذر والبشير والنذير ، ( وعلى آله وأصحابه ) من ذوي القرابة النسبية والسببية والقربة الحسية والمعنوية ( صلاة لا يستطيع لها ) أي لا يقدر عليها ( الحساب عدا ولا حصرا ) إذ لا نهاية لها ، ( وسلم ) تسليما ( كثيرا ) .
( أما بعد فإن النكاح هو بالكسر في كلام العرب الوطء ، وقيل : العقد له وهو التزويج لأنه سبب للوطء المباح وفي الصحاح : النكاح الوطء ، وقد يكون العقد ، وفي المحكم النكاح البضع ، وذلك في نوع الإنسان خاصة واستعمله ثعلب في الذباب .
وقال شيخنا في حاشية القاموس : واستعماله في الوطء والعقد مما وقع فيه الاختلاف هل هو حقيقة في الكل أو مجاز في الكل أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر ؟ قالوا : لم يرد النكاح في