بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي لا تصادف سهام الأوهام في عجائب صنعه مجرى ، ولا ترجع العقول عن أوائل بدائعها إلا والهة حيرى ، ولا تزال لطائف نعمه على العالمين تترى ، فهي تتوالى عليهم اختيارا وقهرا ، ومن بدائع ألطافه أن خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا ،
شرح
( بسم اللّه الرحمن الرحيم ) عملا بالحديثين واكتفاء بطريقة السلف في اختيار أكمل الأمرين ، وللمصنفين في مبادئ كتبهم طرائق سبعة قد تقدم ذكرها في أول كتاب العلم ، وذكر شيء من مباحثها مفرقا في صدور الكتب التي تقدمت فأغنى عن إيراده ثانيا .
ثم قال : ( الحمد للّه ) الحمد نقيض الذم هو أعم من الشكر ، وقد يوضع أحدهما مقام الثاني لما في الخبر « الحمد رأس الشكر » فمصدر الحمد خاص ومتعلقه عام ، والشكر بحلافه وهذا معرف باللام فيفيد أصل الماهية وذلك يمنع ثبوته لغيره تعالى ، فجميع أقسام الحمد والثناء والتعظيم ليس إلا له تعالى فهو المحمود في الحقيقة وهو المشكور ، وما حصل من الإحسان من العبد يتوقف على حصول داعيته في قلبه وهو من اللّه تعالى لا غير ، وإلا لافتقر إلى داعية أخرى فيتسلسل وهو باطل فهو المحسن في الحقيقة والمستحق له ، واللّه علم دال على الإله الحق دلالة جامعة لجميع معاني الأسماء الحسنى الإلهية أحدية لجمعه جميع الحقائق الوجودية ، ( الذي لا تصادف أي لا تجد ولا تأتي ولا توافق ، ( سهام الأوهام ) جمع وهم بالسكون وهو سبق القلب إلى الشيء مع إرادة غيره ( في عجائب صنعته ) وهي عمل الصانع والمراد مصنوعاته العجبية ( مجرى ) أي منفذا ( ولا ترجع العقول ) المستعدة لإدراك المعقولات ( من أوائل ) جمع أول وأصله أوأل أفعل من آل يؤل إذا سبق ، وقيل : أو ول فوعل وفيه كلام أودعته في شرح القاموس . ( بدائعها ) جمع بديعة وهي المنفردة من بين النظائر والضمير يعود إلى عجائب الصنعة ( إلا والهة ) ذاهبة الإدراك مع كمال ملكة استحضارها ( حيرى ) أي متحيرة وهي فعلى من الحيرة ، وهي حالة الحيران الذي لا يهتدي إلى الصواب لإشكال الأمر عليه ، ( ولا تزال لطائف نعمه ) المعقولة على جهة الإحسان ( على العالمين ) بأسرهم ( تترى ) أي متتابعة وترا بعد وتر ، ( فهي تتوالى ) أي تتكرر ( عليهم ) اختيارا ( وقهرا ) شاؤوا أم أبوا ، ( ومن رائع ألطافه ) أي من ألطافه البديعة الغريبة واللطف بالضم الرفق ( إن خلق من الماء ) أي ماء بني آدم وهي النطفة ( بشرا ) عبر عن الإنسان به اعتبارا بظهور بشرته أي جلده من الشعر بخلاف الحيوان الذي عليه نحو صوف وشعر ( فجعله نسبا وصهرا النسب إدراك من جهة أحد الأبوين والصهر القرابة ، وفي هذه اللفظة اختلاف عند أهل اللغة فقال الخليل : الصهر أهل بيت المرأة . قال : ومن العرب من يجعل الأحماء والأختان جميعا أصهارا . وقال ابن السكيت : كل من كان من قبل الزوج من أبيه أو أخته أو عمه فهم الأحماء ، ومن كان من قبل المرأة فهم الأختان ويجمع الصنفين الأصهار . وقال بعض أئمة الغريب :