تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
ومن ذلك الورع عن متروك التسمية وإن لم يختلف فيه قول الشافعي رحمه اللّه لأن الآية
شرح
( ومن ذلك الورع عن ) أكل ( متروك التسمية ) من الذبائح ( وإن لم يختلف فيه قول الشافعي ) رحمه اللّه تعالى ، فإنه قال : يجوز أكلها إذا ترك التسمية عليها سهوا أو عمدا . وقال أبو حنيفة : إن ترك الذابح التسمية عمدا فالذبيحة ميتة لا تؤكل وإن تركها ناسيا أكلت ، ومذهب مالك في الذبيحة كمذهبه في الصيد على ما يأتي بيانه . وقال أحمد : إن ترك التسمية على الذبيحة عمدا لم تؤكل وإن تركها سهوا فروايتان . إحداهما : لا تؤكل كالصيد ، والأخرى تؤكل . واختلفوا فيما إذا ترك التسمية على رمي الصيد أو إرسال الكلب فقال أبو حنيفة : إن ترك التسمية في الحالين ناسيا حل الأكل منه ، وإن تعمد تركها لم يبح . وقال مالك : إن تعمد تركها لم يبح في الحالين وإن تركها ناسيا في الحالين فهل يباح أم لا ؟ فيه عنه روايتان ، وعنه رواية ثالثة أنه يحل أكلها على الإطلاق سواء تركها عمدا أو نسيانا . وقال عبد الوهاب في مذهب أصحاب مالك فيما ظهر عنهم : إن تارك التسمية عامدا أو غير متأوّل لم تؤكل ذبيحته ، ومنهم من يقول : أنها سنّة ، ومنهم من يقول : أنها شرط مع الذكر . وقال الشافعي : إن تركها عامدا أو ناسيا في الحالتين يحل الأكل منه . وعن أحمد ثلاث روايات : أظهرها : أنه من ترك التسمية على ارسال الكلب أو الرمي لم يحل الأكل منه على الإطلاق سواء كان تركه التسمية عمدا أو سهوا . والرواية الثانية إن تركها ناسيا حل أكله وإن كان عامدا لم يحل أكله كمذهب أبي حنيفة ، والثالثة ان تركها على إرسال السهم ناسيا أكل وإن تركها ناسيا على إرسال الكلب والفهد لم يؤكل . ثم احتج المصنف للورع فقال : ( لأن الآية ظاهرة في إيجابها ) أي التسمية ويعني قوله تعالىوَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ[ الأنعام : 121 ] وحاول البيهقي نقض ذلك فعقد بابا ذكر فيه سبب نزولها حيث قال : ذكر فيه عن ابن عباس أن سبب نزولها قول اليهود نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل اللّه . قلت : الصحيح المشهور أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وأيد ذلك ما ورد في ظاهر الأخبار على ما يأتي بيانها ، والأصل تحريم الميتة وما خرج عن ذلك إلا ما كان مسمى عليه فغيره يبقى على أصل التحريم داخلا تحت النص المحرم للميتة . وفي الموطأ : أن عبد اللّه بن عياش ابن أبي ربيعة المخزومي أمر غلاما له أن يذبح ذبيحة ، فلما أراد أن يذبح قال له : سم . فقال الغلام : قد سميت . قال له : سم اللّه ويحك . قال : قد سميت اللّه . قال ابن عياش : واللّه لا أطعمها ابدا . قال صاحب الاستذكار : هذا واضح في أن من ترك التسمية عمدا لم تؤكل ذبيحته وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة وأصحاب الحسن بن حي وإسحاق ورواية عن ابن حنبل ، ثم ذكر البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالىوَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ[ الأنعام : 121 ] قال : يقولون ما ذبح اللّه فلا تأكلوه وما ذبحتم أنتم فكلوه ، فانزل اللّه تعالىوَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 568 | مرتضى الزبيدي