يقدمون عليها قط تورعا منها وحذرا من الشبهة فيها . فلنقسم هذا أيضا على ثلاث مراتب .
الرتبة الأولى : ما يتأكد الاستحباب في التورع عنه وهو ما يقوى فيه دليل المخالف ويدق وجه ترجيح المذهب الآخر عليه ، فمن المهمات التورع عن فريسة الكلب المعلم إذا أكل منها وإن أفتى المفتي بأنه حلال لأن الترجيح فيه غامض ، وقد اخترنا أن ذلك حرام وهو أقيس قولي الشافعي رحمه اللّه : ومهما وجد للشافعي قولا جديدا موافقا لمذهب أبي حنيفة رحمه اللّه أو غيره من الأئمة كان الورع فيه مهما ، وإن أفتى المفتي بالقول الآخر ،
شرح
تورعا منهم وحذرا من الشبهة فيها من ذلك ما روي أن الإمام أبا حنيفة رحمه اللّه تعالى كان يفتي الناس بالعفو عن البول يصيب ثوب المصلي كرؤس الإبر رفعا للحرج ، فبينما هو يمشي ذات يوم في إحدى أزقة الكوفة وقد أصاب ثوبه مثل ذلك ومعه أبو يوسف ، فلم يزل ماسكا طرف ثوبه حتى أتى منزله فغسله كله ، فقال له أبو يوسف : أما أفتيتنا بالعفو عن مثل ذلك ؟ قال : نعم تلك فتوى وهذا تقوى . ( ولنقسم هذا أيضا على ثلاث مراتب .
المرتبة الأولى : ما يتأكد الاستحباب في التورع عنه وهو ما يقوى فيه دليل المخالف ) في مسألة من المسائل الفرعية ( ويدق وجه ترجيح المذهب فيه ) أي يخفي ، ( ويظهر وجه الآخر عليه فمن المهمات التورع عن فريسة الكلب المعلم ) أي صيده الذي افترسه بأنيابه ( إذا أكل ، وإن أفتى المفتي ) وفي نسخة : المفتون ( بأنها حلال ) للأكل ( لأن ) وجه ( الترجيح فيه غامض ) دقيق ، ( وقد اخترنا ) معاشر الشافعية ( أن ذلك حرام فهو أقيس قولي الشافعي رحمه اللّه ) أي أقواهما قياسا ، ويستعمله المصنف في مقام الأصح فإن أكله يدل على أنه أمسكه لنفسه لا لصاحبه فهو ترجيح ظاهر . ( ومهما وجد للشافعي ) رحمه اللّه تعالى ( قول جديد ) في المذهب ( موافق لمذهب أبي حنيفة ) رحمه اللّه تعالى ، ( أو ) مذهب ( غيره من الأئمة ) كمالك وأحمد رحمهما اللّه تعالى ( كان اتباعه في الورع مهما ، وإن أفتى بالقول الآخر ) .
اعلم أنه إن كان للشافعي رضي اللّه عنه في المسألة قول غير متعدد فهو نصه ، وقوله : وإن تعدد منه القول في المسألة فلا يخلو من أن يعلم السابق منه أم لا . فإن علم فالسابق هو القديم واللاحق هو الجديد ، فيقال له الجديد . والنص أيضا وإن تعدد منه في القديم أو في الجديد قولان في المسألة ، فلا يخلو من أن يرجح أحدهما على الآخر أم لا فإن رجح هو أحد قوليه أو الأقوال ، فالراجح أيضا هو النص والمرجوح هو القول المحكي عنه والقول شامل للكل وما لا يوجد فيه من الأقوال أو القولين ترجيح من صاحب المذهب ، فلا يخلو من أن يرجح واحد من أئمة المذهب أحد قوليه أو أقواله أو خرج من قوله أو من قوليّه أو أقواله قولا يسمى ذلك وجها ، وإن اختلف طريق النقل من صاحب المذهب فذاك يسمى طريقا للأصحاب فتأمل ذلك .