تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
رضائع بنسوة بلد كبير فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح نساء أهل البلد ، بل له أن ينكح من شاء منهن ، وهذا لا يجوز أن يعلل بكثرة الحلال ، إذ يلزم عليه أن يجوز النكاح إذا اختلطت واحدة حرام بتسع حلال ولا قائل به بل العلة الغلبة والحاجة جميعا ، إذ كل من ضاع له رضيع أو قريب أو محرم بمصاهرة أو سبب من الأسباب فلا يمكن أن يسد عليه باب النكاح ، وكذلك من علم أن مال الدنيا خالطه حرام قطعا لا يلزمه ترك الشراء والأكل ، فإن ذلك حرج وما في الدين من حرج ، ويعلم هذا بأنه لما سرق في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مجن وغل واحدة في الغنيمة عباءة لم يمتنع أحد من شراء المجان والعباء في الدنيا ، وكذلك كل ما سرق ، وكذلك كان يعرف أن في الناس من يربي في الدراهم والدنانير وما ترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولا الناس الدراهم والدنانير بالكلية . وبالجملة إنما تنفك الدنيا عن الحرام إذا عصم الخلق كلهم عن المعاصي وهو محال ، وإذا لم يشترط هذا في الدنيا لم يشترط أيضا في بلد إلا إذا وقع بين جماعة محصورين ، بل اجتناب هذا من
شرح
رضيعة أو عشر رضائع بنسوة بلد كبير ، فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح أهل البلد ) كلهن ، ( بل له أن ينكح من شاء منهن ، وهذا لا يجوز ان يعلل بكثرة الحلال ، إذ يلزم عليه أن يجوز النكاح إذا اختلطت واحدة حرام بتسع حلال ولا قائل به ) من أحد من العلماء ( بل العلة الغلبة والحاجة جميعا ) ويقولون : الغلبة لها أحكام فإذا لحقت معها الحاجة كانت علة قوية ( إذ كل من ضاع له قريب أو رضيع أو محرم بمصاهرة أو بسبب من الأسباب ) الخارجة ( لا يمكن أن يسد عليه باب النكاح ) ولا يمنع عنه ، ( وكذلك من علم أن مال الدنيا ) أي المال الموجود الآن في الدنيا قد ( خالطه حرام قطعا ) من إفساد المعاملات وغيرها ( لا يلزمه ترك الشراء ) والبيع ( أو الأكل ، فإن ذلك حرج ) مفض إلى الهلاك ، ( وما في الدين من حرج ) بنص الكتاب ، ( ويعلم هذا بأنه لما سرق في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مجن ) بكسر الميم وهو الترس سمي به لأن صاحبه يتستر به والجمع المجان . وروى الشيخان من حديث ابن عمر « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم » قاله العراقي ، ( وغل واحد من ) جملة ( الغنيمة عباءة ) وهي كساء من صوف . أخرجه البخاري من حديث عبد اللّه بن عمر ، واسم الغال كركرة قاله العراقي . ( لم يمتنع أحد من شراء المجن والعباءة في الدنيا وكذلك كل ما سرق ) من مأكول أو ملبوس أو مشروب ، ( وكذلك أيضا كان يعرف أن في الناس من يربى في الدراهم والدنانير ) أي يعاملهم بالربا ، ( وما ترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولا الناس الدراهم بالكلية ) بل عاملوا بها . قال العراقي : هذا معروف ، وسيأتي حديث جابر بعد فيه ما يدل على ذلك . ( وبالجملة إنما تنفك الدنيا عن الحرام إذا عصم كلهم عن المعاصي وهو محال ، وإذا لم يشترط هذا في الدنيا لم يشترط أيضا في بلد ) بطريق الأولوية ( إلا إذا وقع بين جماعة