فالجواب : أن نهي ابن عباس ونهي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم محمول على الورع والتنزيه بدليل ما روي في بعض الروايات أنه قال : « كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك » . وهذا تنبيه على المعنى الذي ذكرناه ، وهو أنه إن وجد أثرا آخر فقد تعارض السببان بتعارض الظن ، وإن لم يجد سوى جرحه حصل غلبة للظن فيحكم به على الاستصحاب كما يحكم على الاستصحاب بخبر الواحد والقياس المظنون والعمومات المظنونة وغيرها . وأما قول القائل : إنه لم يتحقق موته على الحل في ساعة فيكون شكا في السبب فليس كذلك ، بل السبب قد تحقق إذ الجرح سبب الموت فطريان الغير شك فيه ، ويدل على صحة هذا الاجماع على أن من جرح وغاب فوجد ميتا فيجب القصاص على جارحه ، بل إن لم يغب يحتمل أن يكون موته بهيجان خلط في باطنه كما يموت الإنسان فجأة فينبغي أن لا يجب القصاص إلا بحز الرقبة والجرح المذفف ، لأن العلل القاتلة في
شرح
فالجواب ) عن ذلك : ( إن نهي ابن عباس ) رضي اللّه عنهما ، ( ونهي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) في الحديثين السابقين ( محمول على الورع ، و ) النهي نهي ( التنزيه بدليل ما روي ) عنه صلّى اللّه عليه وسلم ( في بعض الروايات أنه قال صلّى اللّه عليه وسلم « كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك » ) قال العراقي : متفق عليه من حديث عدي اه .
قلت : ورواه أيضا ابن ماجة ، والطبراني من حديث أبي ثعلبة الخشني وقد تقدم .
( وهذا تنبيه على المعنى الذي ذكرناه ) آنفا ( وهو أنه وجد أثرا آخر ) غير أثره ( فقد تعارض السببان ) بتعارض الأثرين ، ( فتعارض الظن ) بتعارض السببين ( فإن لم يجد سوى جرحه حصلت غلبة الظن فنحكم بها ) أي بغلبة الظن ( على الاستصحاب ، كما نحكم على الاستصحاب بخبر الواحد والقياس والمظنون والعمومات المظنونة وغيرها ) . وذكر الأصحاب : أن الاستصحاب أربعة أقسام : استصحاب حال العقل ، واستصحاب حال العموم إلى ورود مخصص ، واستصحاب حكم الاجماع ، واستصحاب أمر دل الشرع على ثبوته في دوامه .
( وأما قول القائل : إنه لم يتحقق موته على الحل في ساعة فيكون شكا في السبب فليس كذلك ، بل السبب قد تحقق إذ الجروح سبب الموت وطريان التغير شك فيه ) فلا يكون مغيرا ، ( ويدل على صحة هذا الاجماع ) أي اجماع الفقهاء ( على أن من جرح وغاب فوجد ميتا يجب القصاص على جارحه ) حتما ، ( بل إن لم يغب يحتمل أن يكون موته بهيجان خلط ) من الأخلاط الأربعة ( في باطنه ) وذلك أنه إذا هاج أحد الأخلاط ولم تقو الطبيعة على مقاومته أدى ذلك إلى موته ( كما يموت الإنسان فجأة ) أي بغتة من غير سابق سبب ، ( فينبغي أن لا يجب القصاص إلا بحز الرقبة ) أي قطعها ( والجرح المذفف ) المسرع ، ( لأن العلل القاتلة في الباطن لا تؤمن ) ولا يطلع عليها إلّا حذاق الأطباء ( ولأجلها يموت الصحيح