رضي اللّه عنه ، وهذه الفريضة من بين سائر الفرائض : أعصاها على العقول فهما ، وأثقلها على الجوارح فعلا ، ولذلك اندرس بالكلية علما وعملا ، وصار غموض علمه سببا لاندراس عمله ، إذ ظن الجهال أن الحلال مفقود ، وأن السبيل دون الوصول إليه مسدود ، وأنه لم يبق من الطيبات إلا الماء الفرات ، والحشيش النابت في أرض الموات ، وما عدا ذلك فقد اجتنته الأيدي العادية ، وأفسدته المعاملات الفاسدة ، وإذا تعذرت القناعة بالحشيش من النبات لم يبق وجه سوى الإتساع في المحرمات ، فرفضوا هذا القطب من الدين أصلا ، ولم يدركوا بين الأموال فرقا وفضلا ، وهيهات هيهات ، فالحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات ! ولا تزال هذه الثلاثة مقترنات كيفما تقلبت الحالات . ولما
شرح
حديث ابن مسعود المذكور فيما رواه الطبراني في الكبير والبيهقي وضعفه : « طلب الكسب الحلال فريضة بعد الفريضة » وقد تقدم شيء من ذلك في كتاب الزكاة .
( وهذه الفريضة من بين سائر الفرائض أعصاها على العقول فهما ) أي أكثرها عصيانا فالفهم لا يقيدها ، ( وأثقلها على الجوارح ) المحسوسة ( فعلا ) فهي تأبى عن حملها ، ( فلذلك اندرس ) أي انمحى ( بالكلية علما وعملا ) وفيه لف ونشر مرتب ، ( وصار غموض علمها ) ودقة فهمها ( سببا لاندراس عملها إذ ظن الجهال ) من العلماء ( أن الحلال مفقود ) في الأوان ، ( وأن السبيل ) أي الطريق الموصل ( إليه دون الوصول مسدود ) فلا مطمع في الورود على مشارعه ، ( وأنه لم يبق من الطيبات ) المأمور بتحصيلها ( إلا الماء الفرات ) العذب ، ( والحشيش ) النبات ( في أرض الموات ، وما عدا ذلك فقد اجتنته ) أي اقتلعته ( الأيدي العاديات ) أي المجاوزات عن الحدود ، ( وأفسدته المعاملات ) بين الناس ( الفاسدة ) ، شرعا ، ( فإذا تعذرت القناعة بالحشيش من النبات ) والحشيش : هو اليابس من الكلأ فعيل بمعنى فاعل . قالوا : ولا يقال للرطب حشيش كما في المصباح ، وهو قول أئمة اللغة ، ومراد المصنف هنا إنما هو الرطب فإنه هو الذي يتقوت به ، وأما اليابس : فلا ، وقد أطلقه على الرطب هنا تجوزا ، وهذا نظير قول الفقهاء يحرم على المحرم قطع الحشيش ، ونبهوا على أنه ليس على ظاهره ، فإن اليابس من الكلأ لا يحرم قطعه ، فالوجه أن يقال : يحرم قطع الخلا إلا أن يقال أنه على التجوز فتأمل . ( لم يبق وجه سوى الإتساع في المحرمات ) وهذا على حسب ظنهم الفاسد ، ( فرفضوا ) أي تركوا ( هذا القطب من الدين ) الذي عليه المدار ( أصلا ) أي من أصله ، ( ولم يدركوا بين الأموال ) المحرمة والمحللة ( فرقا ولا فضلا ، وهيهات هيهات ، فالحلال بيّن ) أي ظاهر ( والحرام بيّن وبينهما أمور ( متشابهات ) ! لا يعلمها كثير من الناس ، « فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام » الحديث رواه الشيخان والأربعة من حديث النعمان بن بشير وسيأتي الكلام عليه في الباب الثاني من مراتب الشبهات من هذا الكتاب ، والحديث نص في هذه المراتب الثلاث . ( ولا تزال هذه الثلاثة مقترنات ) لا