تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
تقويم وأتم اعتدال ، ثم غذاه في أول نشوئه بلبن استصفاه من بين فرث ودم سائغا كالماء الزلال ، ثم حماه بما آتاه من طيبات الرزق عن دواعي الضعف والانحلال ، ثم قيد شهوته المعادية له عن السطوة والصيال ، وقهرها بما افترضه عليه من طلب القوت الحلال ، وهزم
شرح
أي أوجده من العدم بعد أن لم يكن ، والإنسان : بالكسر اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والواحد والجمع ، واختلف في اشتقاقه على زيادة النون الأخيرة فقال البصريون : من الأنس فالهمزة أصلية ووزنه فعلان ، وقال الكوفيون : من النسيان فالهمزة زائدة ووزنه إفعال على النقص وأصله أنسيان على أفعلان ، ولهذا يرد إلى أصله في التصغير فيقال : انيسيان أشار إلى الذي خلق منه فقال : ( من الطين ) هو التراب والماء المختلط وقد يسمى بذلك ، وإن زالت عنه قوة الماء ذكره الراغب . وقال الحراني : هو متحجر التراب حيث يصير متهيئا لقبول وقوع الصورة فيه ( اللازب والصلصال ) فاللازب : اللين من وصول الماء إليه يقال : لزب الطين لزوبا أي لصق ، ومنه حديث علي : ولاطها بالبلة حتى لزبت أي لصقت ولزمت ، والصلصال : اليابس الذي له صلصلة وفيه اقتباس من قوله تعالى :خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ[ الرحمن : 14 ] أي كالخزف ، وقد خلق اللّه آدم من تراب ثم جعله طينا ثم حمأ مسنونا ثم صلصالا فلا يخالف ذلك قوله من تراب ونحوه ، ( ثم ركب صورته ) الحسية ( في أحسن تقويم وأتم اعتدال ) وقد اقتبس ذلك من قوله تعالى :فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ[ الانفطار : 8 ] وقوله تعالى :لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[ التين : 4 ] يقال : قومه فتقوم أي عدله فتعدل ، والاعتدال توسط حال بين حالين في كم أو كيف وكل ما تناسب فقد اعتدل ، ( ثم غذاه في أول نشوئه بلبن ) أي جعل غذاءه الذي تقوم به بنيته الظاهرة من لبن ( استصفاه ) أي صفاه وخلصه ( من بين فرث ودم ) والفرث السرجين ما دام في الكرش ( سائغا ) أي سهلا ( كالماء الزلال ) أي العذب البارد اقتبسه من قوله تعالى :مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ[ النحل : 66 ] ( ثم حماه ) من الحماية وهي المنع والوقاية ( بما آتاه ) أي أعطاه ( من طيبات الرزق ) اقتبسه من قوله تعالى :كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ[ طه : 81 ] ( من دواعي الضعف والانحلال ) متعلق بقوله : ثم حماه أي وقاه بذلك الغذاء الذي هو من طيبات الرزق عن طرو الأسباب الداعية لضعف البدن وانحلال صورة التركيب والضعف وهي القوى حسا ومعنى أو هو خلاف القوة ويكون في النفس والبدن والمال ، وقيل : بالضم في البدن وبالفتح في العقل والرأي ، ( ثم قيد شهوته ) أصل الشهوة نزوع النفس إلى ما تريده ولا تتمالك عنه ( المعادية له ) يقال : عاداه معاداة إذا أظهر له العداوة ، وإنما كانت الشهوة معادية للإنسان لكونها تجره إلى المناهي الشرعية وتتسرع لإيقاعه في كل مذموم شرعا ، ومن ذلك في الخبر المشهور : « حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات » ( عن السطوة والصيال ) بكسر الصاد المهملة بمعنى الصولة وهي والسطوة الأخذ بشدة وقهر ، وذلك التقييد من كمال فضل اللّه وإحسانه على الإنسان ، ولولا ذلك لم يملك نفسه عن النزوع إلى الشهوات الحسية والمعنوية ( وقهره ) أي غلبه وكسر شوكته ( بما افترضه عليه ) يقال فرضه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 442 | مرتضى الزبيدي