تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
بكسرها جند الشيطان المتشمر للإضلال ، ولقد كان يجري من ابن آدم مجرى الدم السيال ، فضيق عليه عزة الحلال المجرى والمجال ، إذا كان لا يبذرقه إلى أعماق العروق إلا الشهوة المائلة إلى الغلبة والاسترسال ، فبقي لما زمت بزمام الحلال خائبا خاسرا ماله
شرح
وافترضه بمعنى واحد ( من طلب الحلال ) اقتبسه من الخبر الآتي ذكره : « طلب الحلال فريضة » . وسيأتي معناه . ( تسبح له الرمال ) « 1 » أي تنزهه وتقدسه فما من ذرة من ذراته إلا وهي شاهدة لوحدانيته مقرة بربوبيته ، وخص الرمال وإن كان كل شيء كذلك بموجب قوله تعالى :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ[ الإسراء : 44 ] لكثرة أجزائها ومجاوزة الحد وإحصائها ( وتسجد ) له ( الظلال ) جمع ظل وهو أعم من الفيء ، فإنه يقال : ظل الشيء وظلت الجنة ، ولكل موضع لم نصل إليه الشمس يقال له ظل ، ولا يقال الفيء إلا لما زال عنه الشمس ، ( ويتدكدك ) أي يضمحل ويلصق بالتراب . يقال : دكه دكا إذا دحاه وبسطه فتدكدك صار مدحوا مبسوطا لاصقا بالأرض ( من هيبته ) الحاصلة أثر مشاهدة جلال اللّه وعظمته ، وقد تكون عن الجمال الذي هو جمال الجلال ( صم الجبال ) يقال حجر أصم أي مصمت شديد والجمع الصم كأحمر وحمر ، ولو قال : شم بالشين بدل الصم لكان جائزا وهي المرتفعة إلا أن تدكدك المصمت الشديد أنسب في المقام ، ( فهزم بكسرها ) أي كسر تلك الشهوة ( جند الشيطان ) أي أعوانه وعساكره المجرورة تحت راياته ( المتشمر ) أي المتهيّىء ( للإضلال ) أي لإغواء الإنسان عن سبيل الرشد وذلك مصداق قوله تعالى على لسانه :قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَالآية [ الأعراف : 16 ] . وقال تعالى على لسانه أيضا لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ ص : 82 ، 83 ] ( فلقد كان ) كيده ( يجري من ابن آدم ) أي فيه ( مجرى الدم السيال ) أي لا يحس بجريه كالدم في الأعضاء ، ووجه الشبه شدة الاتصال والمعنى يجري منه أي فيه حيث يجري فيه الدم ، وأشار بسياقه هذا إلى الحديث الذي رواه أحمد والشيخان وأبو داود عن أنس ، والشيخان وأبو داود وابن ماجة عن صفية رفعاه : « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » وقد تقدم تحقيقه في كتاب الصوم . ( فضيق عليه ) أي شدد عليه ( عزة الحلال ) أي قوته وغلبته ( المجرى ) مفعل من الجري أو مصدر ميمي ( والمجال ) مفعل من الجولان وهو الحركة ، ( إذ كان لا يبذرقه ) أي لا يوصله واصل البذرقة الخفارة ( إلى أعماق ) جمع عمق بضمتين هو البعد سفلا ( العروق ) جمع عرق معروفة ، ومنها الأوردة والشرايين ( إلا الشهوات ) النفسية ( المائلة ) بطبعها ( إلى الغلبة ) أي الشدة والتسلط ( والاسترسال ) أي الدعة والهوينا ، ( فبقي ) أي الشيطان ( لما زمت ) تلك الشهوات أي قيدت ( بزمام الحلال ) وأصل الزمام الخيط الذي يشد في البرة أو في الخشاش ، ثم يشد إليه المقود ثم سمي به المقود نفسه ( خاسئا ) أي معيبا مطرودا وهو حسير ( خاسرا ) في صفقته التي اعتقدها ( ماله من ناصر ) ينصره ( ولا وال ) يلي إعانته .
هامش
( 1 ) ( تسبح له الرمال ) ( وتسجد الظلال ) ( ويتدكدك من هيبته صم الجبال ) هذا الكلام لم يرد في كتاب الإحياء .