فروع الباب تندرج تحت هذه الرابطة ، ولكنا لا نطوّل بشرحها فقد طولنا القول فيها في الفقهيات ، وإنما نشير إلى ما تعم به البلوى ، فليراع في العمل المستأجر عليه خمسة أمور .
الأوّل : أن يكون متقوما بأن يكون فيه كلفة وتعب ، فلو استأجر طعاما ليزين به
شرح
الكلفة والتطوع عن الغير ، وسيأتي تفصيل ذلك قريبا ، وشرط أبو حنيفة في الإجارة أن تكون المنفعة معلومة كالأجرة لأن جهالتهما تفضي إلى المنازعة وحكم الإجارة وقوع الملك في البدلين ساعة فساعة ، لأن المعقود عليه وهي المنفعة معدومة ، والقياس أن لا يجوز لما فيها من إضافة العقد إلى ما سيوجد إلا أنها أجيزت للضرورة لشدة الحاجة إليها وهي تنعقد ساعة فساعة على حسب حدوث المنافع والعين المستأجرة أقيمت مقام المنفعة في حق إضافة العقد إليها ليرتبط الإيجاب بالقبول فعمله يظهر في المنفعة ملكا واستحقاقا حال وجودها وهذا كالمسلم فيه ، فإن الذمة التي هي محل المسلم فيه أقيمت مقام المعقود عليه في حق جواز السلم . وقال الشافعي : تجعل المنافع المعدومة موجودة حكما ضرورة تصحيح العقد لأن العقد يستدعي محلا ينعقد فيه إذ الشرع حكم بالانعقاد وهو وصف العقد المنعقد ، فحكمنا بوجود المحل لينعقد العقد فيه ، وهذا لأن العقد قد لزم واللزوم وصف يثبت بالعقد ، فحكمنا بوجود المحل لينعقد العقد فيه فأنزلنا المعدوم موجودا لذلك . وقال أصحابنا : ارتباط الإيجاب بالقبول صفة الكلامين والمحل يحتاج إليه للحكم ، وإنما اشترط وجود المحل عند الارتباط لأن الانعقاد لأجل الحكم فلا بد من تعيين المحل حتى يعمل العقد فيه فجعل الدار خلفا عن المنفعة في حق إضافة العقد إليها ، ثم بعد ذلك عمل هذا اللفظ يتراخى إلى حين وجود المنفعة وحكم العقد وهو الملك يقبل الفصل عن العقد كما في المبيع بشرط الخيار . قالوا : وهذا أولى مما ذهب إليه الشافعي لأنه تغيير أمر حكمي بدليل شرعي وما ذهب إليه قلب الحقائق لأن المنافع معدومة حقيقة والمنفعة لا يتصور وجودها في لحظة فلا يمكن جعلها موجودة حكما لأن الشرع لا يرد بتقدير المستحيل ، ولهذا لو أضاف العقد إلى المنفعة لا يجوز ولو أضافه إلى العين جاز بالإجماع ، واللّه أعلم .
( وجملة فروع هذا الباب تندرج تحت هذه الرابطة لكنا لا نطول بشرحها ) هنا ، ( فقد طولنا القول فيها في الفقهيات ) البسيط والوسيط والوجيز والخلاصة ، ( وإنما نشير ) هنا ( إلى ما تعم به البلوى ) وتشتد إليه الضرورة ، ( فلتراع في العمل المستأجر عليه أمورا خمسة ) هذا شروع في بيان شرائط المنفعة ، وعدّها المصنف في الوجيز خمسة تقدم ذكرها إجمالا ، وهنا تذكر تفصيلا .
( الأول : أن يكون متقوما ) أي ذا قيمة ليحسن بذل المال في مقابلته ولو لم يكن متقوما لكان بذل المال في مقابلته سفها فيمنع منه كما يمنع من شراء ما لا ينتفع به ويكون أيضا متقوما ( بأن يكون فيه كلفة وتعب ) أي نوع مشقة ، ثم فرع على هذا الشرط فروعا فقال : ( فلو استأجر طعامه ليزين به الدكان ، أو أشجاره ليجفف عليها الثياب ) وكذا الجلوس والوقوف