تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
الهالكين ، ورجل شغله معاده عن معاشه فهو من الفائزين ، والأقرب إلى الاعتدال هو الثالث الذي شغله معاشه لمعاده فهو من المقتصدين . ولن ينال رتبة الاقتصاد من لم يلازم في طلب المعيشة منهج السداد ، ولن ينتهض من طلب الدنيا وسيلة إلى الآخرة وذريعة ، ما لم يتأدب في طلبها بآداب الشريعة ، وها نحن نورد آداب التجارات والصناعات
شرح
المقفى للعقيلي ، ومكارم الأخلاق لابن لآل ، والرامهرمزي في الأمثال من حديث طارق بن الشيم رفعه : « نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لآخرته » الحديث ، وهو عند الحاكم وصحح ، لكن تعقبه الذهبي بأنه منكر . قال : وعبد الجبار أعني راويه لا يعرف . وفي الحلية لأبي نعيم في ترجمة سعيد بن عبد العزيز من قوله مما رواه عقبة بن علقمة عنه « الدنيا غنيمة الآخرة » ومما يشهد للجملة الثانية من سياق المصنف وهو قوله : ومدرجة إليها ما في الفردوس بلا سند عن ابن عمر مرفوعا : « الدنيا قنطرة الآخرة فاعبروها ولا تعمروها » . وقال الراغب في كتاب الذريعة : الإنسان من وجه في دنياه حارث وعمله حرثه ودنياه محرثه ووقت الموت وقت حصاده ، والآخرة يبذره فلا يحصد إلا ما زرعه ولا يكيل إلا ما حصده ، فمن عمل لآخرته بورك في كيله وجعل منه زاد الأبد ، ومن عمل لدنياه خاب سعيه وبطل عمله وإليه أشار المصنف بقوله . ( والناس ثلاثة : فرجل شغله معاده عن معاشه ) فلم يلتفت إلى الدنيا وكان جل عمله السعي في أمور الآخرة ( فهو من الفائزين ) كما قال تعالى :وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَهاالآية [ الإسراء : 19 ] وهذه رتبة الأنبياء والمرسلين ومن على قدمهم من الصديقين والشهداء والصالحين ( ورجل شغله معاشه عن معاده ) فإن ركن إلى الدنيا وانغمس في شهواتها وأخلد إلى ملاذها ونسي ما خلق لأجله ( فهو من الهالكين ) الخاسرين إلى أبد الآبدين ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيهاالآية [ هود : 15 ] . وهذه رتبة الكفار ومن شابههم ، ومثل أعمال الدنيا مثل شجر الخلاف بل كالدفلى والحنظل في الربيع يرى غض الأوراق حتى إذا جاء حين الحصاد لم ينل طائلا وإن أحضر مجناه البيدر لم يفد ناثلا ، ومثل أعمال الآخرة مثل شجرة الكرم والنخل المستقبح المنظر في الشتاء ، وإذا حان وقت القطاف والإجتناء أفادك زادا وادخرت منه عدة وعتادا . ( والأقرب إلى الإعتدال هو الثالث الذي شغله معاشه لمعاده ) أي لأجل معاده ( فهو من المقتصدين أي المتوسطين بين المرتبتين وهي رتبة أهل الصلاح من المؤمنين ، وقد أشار إلى هذا الترتيب صاحب القوت . وفي ربيع الأبرار للزمخشري : قوام الدين والدنيا بالعلم والكسب فمن رفضهما وقال ابتغى الزهد لا العلم والتوكل لا الكسب وقع في الجهل والطمع ، ( ولن ينال ) العبد ( رتبة الإقتصاد ما لم يلازم في طلب المعيشة منهج السداد ) أي طريق الصواب في القول والعمل ، ( ولن ينتهض طلب الدنيا وسيلة إلى الآخرة ) ومدرجة إليها ( وذريعة ) في التوصل بها ( ما لم يتأدب في طلبها بأدب الشريعة )