تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
انتعاشا . ونصلي على رسوله الذي يصدر المؤمنين عن حوضه رواء بعد ورودهم عليه عطاشا . وعلى آله وأصحابه الذين لم يدعوا في نصرة دينه تشمرا وانكماشا . وسلم تسليما كثيرا . أما بعد ؛ فإن رب الأرباب ومسبب الأسباب جل جلاله جعل الآخرة دار الثواب والعقاب ، والدنيا دار التمحل والاضطراب . والتشمر والاكتساب . وليس التشمر في الدنيا مقصورا على المعاد دون المعاش ، بل المعاش ذريعة إلى المعاد ومعين عليه ، فالدنيا مزرعة الآخرة ومدرجة إليها . والناس ثلاثة : رجل شغله معاشه عن معاده فهو من
شرح
الحاجات ) أي الجائها بذل ( انتعاشا أي ينتهضوا في عشرتها انتهاضا وقد نعش وانتعش قام ، ونعشه اللّه وأنعشه أقامه ، وبين معاشا وانتعاشا لزوم ما لا يلزم مع ما في كل من الجمل المذكورة من الاقتباسات الشريفة من الآيات المنيفة وبراعة الاستهلاك وغير ذلك من أنواع البديع ، ( ونصلي على رسوله ) سيدنا محمد ( الذي يصدر ) بضم التحتية وكسر الدال وهو فعل يتعدى لاثنين ( المؤمنين ) مفعوله الأول ، والإصدار نقيض الإيراد ، والمعنى يصرفهم ( عن حوضه ) الأصغر وهو الكوثر الذي وعده اللّه سبحانه له صلّى اللّه عليه وسلم ( رواء ) بالكسر والمد مفعوله الثاني أي مرتوين ( بعد ورودهم عليه ) أي على الحوض ( عطاشا ) من هول الموقف وحر الشمس والزحام فيردون بعد حسابهم ، وقد ذبلت شفاههم وتدلت ألسنتهم ويبست جلودهم فيشربون من ذلك الحوض حتى يجري الري في أظفارهم ثم يؤمر بهم إلى الجنة ( وعلى آله وأصحابه الذين لم يدعوا ) أي لم يتركوا ( في نصرة دينه ) القويم ( تشمرا ) أي أخذا بالسرعة والمبالغة ( وإنكماشا وهو بمعناه وكلاهما كناية عن الإجتهاد البالغ وبذل الوسع ، ( وسلم ) عليه وعليهم ( كثيرا ) كثيرا . ( أما بعد ، فإن رب الأرباب ) أي سيد السادات ( ومسبب الأسباب ) أي مهيئها والمؤقت لها ( جل جلاله ) أي عظم وفيه جناس الإشتقاق ( جعل ) الدار ( الآخرة ) أي صيرها ( دار الثواب ) لمن أحسن ( و ) دار ( العقاب ) لمن أساء ( و ) جعل ( الدنيا دار التحمل ) للمشقات وضروب المكدرات ( والاضطراب ) في الأرض لتحصيل المعايش ( والإكتساب ، وليس التشمر ) عن ذيل الجد ( في الدنيا مقصورا على المعاد دون المعاش ، بل المعاش ) عند النظر الصحيح والتأمل الصريح ( ذريعة ) أي وسيلة ( إلى المعاد ومعين عليه ، فالدنيا ) في الحقيقة ( مزرعة للآخرة ) أي صالحة لأن يزرع فيها ليتخذ منه زاد الآخرة ( ومدرجة إليها ) أي يتدرج بها إليها بحسن مسيره في سلوكه عليها ، والجملة الأولى أعني قوله : الدنيا مزرعة للآخرة المشهور أنه حديث وليس كذلك ، وزعم المناوي في ترجمة المصنف من طبقاته أن هذا الكلام من مبتكرات المصنف وفيه نظر ، فقد وجد ذلك في كلام غيره ممن هو قبله ، والمعنى صحيح ففي