تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
بسم اللّه الرحمن الرحيم نحمد اللّه حمد موحد إنمحق في توحيده ما سوى الواحد الحق وتلاشى . ونمجده تمجيد من يصرح بأن كل شيء ما سوى اللّه باطل ولا يتحاشى ، وأن كل من في السماوات والأرض لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ولا فراشا . ونشكره إذ رفع السماء لعباده سقفا مبنيا ، ومهد الأرض بساطا لهم وفراشا . وكوّر الليل على النهار فجعل الليل لباسا وجعل النهار معاشا . لينتشروا في ابتغاء فضله وينتعشوا به عن ضراعة الحاجات
شرح
( بسم اللّه الرحمن الرحيم ) تيمنا واقتداء وتبركا واقتفاء ثم أعقبه بالحمد فقال : ( الحمد للّه ) وفي بعض النسخ نحمد اللّه جمعا بين الذكرين وعملا بالحديثين ( حمد موحد قد وحده عن صميم اعتقاده وربط حاجته على تفريده في حالتي اصداره وإيراده ( أمحق ) بتشديد الميم أصله انمحق فأدغمت النون في الميم والإنمحاق ذهاب الشيء بكليته بقوة وسطوة ( في توحيده ) أي في اعتقاده في تفريده ( ما سوى الواحد الحق ) في الحقيقة وهو كل ما يوصف بالغيرية ( وتلاشى ) أي صار كلا شيء بأن لم تخطر بينه وبين سواه نسبة بوجه لا فرضا ولا هما ( ومجده ) أي عظمه ( تمجيد ) أي تعظيم ( من يصرح ) بلسان تجليه في عباراته وإشاراته وحركاته وسكناته ، ولا يكنى ( بأن ما سوى اللّه ) المعبود الحق ( باطل ) أي لاثبات له عند الفحص عنه ( ولا يتحاشى ) أي لا يبالي بتصريحه لذلك المعتقد إذ هو الحق الذي لا محيد عنه ، وقد أشار بذلك إلى قوله لبيد الذي سماه صلّى اللّه عليه وسلم أصدق كلمة : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل وسبب بطلان ما سوى اللّه حدوثه وتغيره من حال إلى آخر ، وما كان بهذه المثابة فلا ثبات له أصلا ولا قيام له بنفسه ، ( وأن من في السماوات والأرض ) من ملك وجن وإنس وغيرهم ( لن يخلقوا ) أي لن يوجدوا ( ذبابا ) مع حقارته ( ولو اجتمعوا له ) وأعان بعضهم بعضا ، ( ولا فراشا ) وهو كسحاب ما يتطاير من الهوام حوالي ضوء الشمع والسراج ، ( وأشكره إذ رفع السماء لعباده ) فجعله ( سقفا مبنيا ) أي هيئة السقف المنير مثل القبة المحيطة بجوانب الأرض ، ( ومهد ) لهم ( الأرض ) تمهيدا لتكون ( بساطا لهم وفراشا إذ صيّرها متوسطة بين الصلابة واللطافة حتى صارت متهيئة لأن يقعدوا ويناموا عليها كالفراش المبسوط وبين تلاشي ويتحاشى لزوم ما لا يلزم ، وبين فراشا وفراشا جناس ، ( وكوّر الليل على النهار ) أي أداره وضم بعضه إلى بعض النهار ككور العمامة ( فجعل الليل لباسا ) غطاء يستتر بظلمته من أراد الاختفاء ، ( وجعل النهار معاشا ) أي وقتا للمعاش يتقلبون فيه لتحصيل ما يتعيشون به ( لينتشروا ) أي ينبعثوا فيه ( في ابتغاء فضله ) أي ما قسم من الرزق ، ( وينتعشوا به في ضراعة