لناضحه وأعلفه واستقي الماء وأخرز غربه وأعجن ، وكنت أنقل النوى على رأسي من ثلثي فرسخ حتى أرسل إليّ أبو بكر بجارية فكفتني سياسة الفرس فكأنما اعتقني . ولقيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوما ومعه أصحابه والنوى على رأسي ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أخ أخ » لينيخ ناقته ويحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال ، وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس ، فعرفت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أني قد استحييت ، فجئت الزبير فحكيت له ما جرى ، فقال : واللّه لحملك النوى على رأسك أشدّ عليّ من ركوبك معه .
شرح
فلم يكن من خدمته شيء أشد عليّ من سياسة الفرس كنت أحسن له وأقوم عليه ( واستقي الماء هكذا بالفوقية قبل القاف ، وفي رواية : واسقي بحذف الفوقية أي أسقي الناضح أو الفرس ، والرواية الأولى أسهل معنى وأكثر فائدة ، ( واخرز ) أي أخيط ( غربه ) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة أي دلوه ( وأعجن ) دقيقه . وزاد البخاري : ولم أكن أحسن أخبز وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق ، ( وكنت أنقل النوى ) من أرض الزبير التي أقطعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أي مما أفاء اللّه عليه صلّى اللّه عليه وسلم من أموال بني النضير ( على رأسي ) وهي ( من ) مكان سكني على ( ثلثي فرسخ ) بتثنية ثلث ، والفرسخ ثلاثة أميال وكل ميل أربعة آلاف خطوة . قالت : ولم أزل أخدم ( حتى أرسل إليّ أبو بكر ) بعد ذلك ( بخادم ) أي أمة سوداء . ( فكفتني ) . ولفظ البخاري : يكفيني ( سياسة الفرس فكأنما أعتقني ) لأنها اعانتها فيما كان يشق عليها . ( ولقيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ومعه أصحابه ) ولفظ البخاري : فجئت يوما ( والنوى على رأسي ) فلقيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار ( فقال صلّى اللّه عليه وسلم ) ، ولفظ البخاري فدعاني فقال : ( « إخ إخ » ) بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة ( يستنيخ ناقته ويحملني ) عليها ( خلفه ) ولفظ البخاري بعد « إخ إخ ليحملني خلفه » ( فاستحييت أن أسير مع الرجال ، وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس ) أي بالنسبة إلى عملها أو إلى أبناء جنسه ، وعند الإسماعيلي المستخرج من أغير الناس ، ( فعرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أني قد استحييت ) فمضى ، ( فجئت الزبير فحكيت له ما جرى ) من أني لقيني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه ، فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك ، ( فقال ) لها الزبير : ( واللّه لحملك النوى على رأسك ) كان ( أشد عليّ من ركوبك معه صلّى اللّه عليه وسلم . إذ لا عار فيه بخلاف حمل النوى ، فإنه ربما يتوهم منه خسة نفسه ودناءة همته ، واللام في لحملك للتأكيد ، وحملك مصدر مضاف لفاعله ، والنوى مفعوله ، وفي بعض روايات البخاري : أشد عليك بزيادة الكاف ، وفيه : إن على أن المرأة القيام بخدمة ما يحتاج إليه بعلها .
ويؤيده قصة فاطمة رضي اللّه عنها وشكواها ما تلقى من الرحى والجمهور على أنها متطوعة بذلك أو يختلف باختلاف عوائد البلاد . وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في الخمس مقتصرا على قصة النوى ، ورواه النسائي في عشرة النساء .