إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 215
الثاني : أن يقتصر على طلقة واحدة فلا يجمع بين الثلاث ، لأن الطلقة الواحدة بعد فصل [ في أقسام الطلاق ] الطلاق يكون بدعيا وسنيا وواجبا ومكروها . فأما السني فما تقدم في حديث ابن عمر . قال البخاري في صحيحه : وطلاق السنّة أن يطلقها طاهرا من غير جماع ، ويشهد شاهدين أي لقوله تعالى : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [ الطلاق : 2 ] قال ابن عباس فيما أخرجه ابن مردويه : كان نفر من المهاجرين يطلقون لغير عدة ويراجعون بغير شهود فنزلت ، وأما تسميته بالسني فقال الشيخ كمال الدين بن الهمام من أصحابنا في فتح القدير : الطلاق السني المسنون وهو كالمندوب في استعقاب الثواب ، والمراد به هنا المباح لأن الطلاق ليس عبادة في نفسه ليثبت له ثواب ، فالمسنون منه ما ثبت على وجه لا يستوجب عتابا . نعم لو وقعت له داعية أن يطلقها عقب جماعه أو حائضا فمنع نفسه إلى الطهر الآخر ، فإنه يثاب ، لكن لا على الطلاق في الطهر الخالي عن الحيض ، بل على كف نفسه عن ذلك الايقاع على ذلك الوجه امتناعا عن المعصية . وأما البدعي ، فطلاق مدخول بها بلا عوض منها في حيض أو نفاس أو عدة طلاق رجعي ، وهي تعتد بالأقراء وذلك لمخالفته لقوله تعالى : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وزمن الحيض والنفاس لا يحسب من العدة ، والمعنى فيه تضررها بطول مدة التربص أو في طهر جامعها فيه أو استدخل ماءه فيه ، ولو كان الجماع أو الاستدخال في حيض قبله أو في الدبر إن لم يتبين حملها وكانت ممن تحبل لأدائه إلى الندم عند ظهور الحمل ، لأن الإنسان قد يطلق الحائل دون الحامل ، وعند الندم قد لا يمكنه التدارك فيتضرر هو والولد ، وألحقوا الجماع في الحيض بالجماع في الطهر لاحتمال العلوق فيه ، والجماع في الدبر كالجماع في القبل لثبوت النسب ووجوب العدة به ، وهذا الطلاق حرام للنهي عنه . وقال النووي : أجمعت الأمة على تحريمه بغير رضا المرأة ، فإن طلقها أثم ووقع طلاقه . وأما الطلاق الواجب ففي الإيلاء على المولى ، لأن المدة إذا انقضت وجب عليه الفيئة أو الطلاق ، وفي الشقاق على الحكمين إذا أمرت المظلومة ولا بدعة فيه للحاجة إليه مع طلب الزوجة ، وأما المستحب فعند خوف تقصيره في حقها لبغض أو غيره أو سيئة الخلق ، أو بأن لا تكون عفيفة ، وألحق به ابن الرفعة طلاق الولد إذا أمره به والده وقد تقدم ذلك . وأما المكروه ؛ فعند سلامة الحال لحديث « ليس شيء من الحلال أبغض إلى اللّه من الطلاق » وقد تقدم أيضا . وأما المباح فطلاق من ألقي عليه عدم اشتهائها بحيث يعجز أو يتضرر بإكراهه نفسه على جماعها ، فهذا إذا وقع فإن كان قادرا على طول غيرها مع استبقائها ورضيت بإقامتها في عصمته بلا وطء أو بلا قسم فيكره طلاقها ، كما كان بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وبين سودة ، وإن لم يكن قادرا على طولها أو لم ترض هي بترك حقها فهو مباح ، واللّه أعلم . ( الثاني ) : إذا عزم على الطلاق ( أن يقتصر على طلقة واحدة ) في طهر لا جماع فيه ، ( فلا