تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه » فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم حنكه بتمرة ثم دعا له وبارك عليه وكان أول مولود ولد في الإسلام ، ففرحوا به فرحا شديدا لأنهم قيل لهم : إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم . الثاني عشر : في الطلاق ، وليعلم أنه مباح ، ولكنه أبغض المباحات إلى اللّه تعالى ،
شرح
بقباء ) وهو الموضع المعروف خارج المدينة تقدم ذكرها في آخر كتاب الحج ، ( ثم أتيت به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فوضعه في حجره ثم دعا بثمرة فمضغها ) في فمه الشريف ، ( ثم تفل ) به ( في فيه » فكان أول شيء دخل في فيه ريق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم حنكه بتمرة ، ثم دعا له وبارك عليه ، وكان أول مولود ولد في الإسلام ) أي بالمدينة من قريش ولد في السنة الثانية ، ( ففرحوا به ) أي جماعة المسلمين ( فرحا شديدا لأنه قيل لهم : إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم ) . رواه البخاري ومسلم ، وروي نحو ذلك من حديث أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال : « ولد لي غلام فأتيت به النبي صلّى اللّه عليه وسلم فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة ودعا بالبركة ودفعه إلي وكان أكبر ولد أبي موسى » . ( الثاني عشر : الطلاق وهو في اللغة رفع القيد . يقال : أطلق الفرس والأسير ، وفي الشرع رفع القيد الثابت شرعا بالنكاح ، فقوله : « شرعا » يخرج به القيد حسا وهو حبل الوثاق ، وبالنكاح يخرج العتق لأنه رفع قيد ثابت شرعا لكنه لا يثبت بالنكاح ، واستعمل في النكاح بلفظ التفعيل وفي غيره بالأفعال ، ولهذا لو قال لها : أنت مطلقة بتشديد اللام لم يفتقر إلى نية ولو خففها فلا بد منها ، وفي مشروعية النكاح مصالح العباد الدينية والدنيوية ، وفي الطلاق إكمال لها إذ قد لا يوافقه النكاح فيطلب الخلاص عند تباين الأخلاق وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود اللّه فمكن من ذلك رحمة منه سبحانه وفي جعله عددا حكمة لطيفة لأن النفس كذوبة ربما تظهر عدم الحاجة إلى المرأة أو الحاجة إلى تركها وتسر له ، فإذا وقع حصل الندم وضاق الصدر به وعيل الصبر فشرعه سبحانه وتعالى ثلاثا ليجرب نفسه في المرة الأولى ، فإن كان الواقع صدقها استمر حتى تنقضي العدة وإلا أمكنه التدارك بالرجعة ، ثم إذا عادت النفس لمثل الأول وغلبته حتى عاد إلى طلاقها نظر أيضا فيما يحدث له فما يوقع الثالثة إلا وقد جرب وفقه في حال نفسه ثم حرمها عليه بعد انتهاء العدد قبل أن تتزوج آخر ليتأدب بما فيه غيظه وهو الزوج الثاني على ما عليه من جبلة النحولية بحكمته ولطفه تعالى بعباده ، ( وليعلم أنه ) أي الطلاق ( مباح ) قد أباحه الشارع لما ذكرنا من الحكمة ، ( ولكنه أبغض المباحات إلى اللّه تعالى ) يشير إلى حديث : « أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق » . والمراد بالمباح والحلال الشيء الجائز الفعل ، وإنما كان كذلك من حيث أداؤه إلى قطع الوصلة وحل قيد العصمة المؤدي إلى التناسل الذي به تكثير هذه الأمة لا من حقيقته في نفسه ، فإنه ليس بحرام ولا مكروه أصالة ، بل تجري فيه الأحكام الخمسة ، وقد صح أنه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 208 | مرتضى الزبيدي