إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 11
النساء مذمومة . ولا ينكشف الحق فيه إلّا بأن نقدم أوّلا ما ورد من الأخبار والآثار في الترغيب فيه والترغيب عنه ، ثم نشرح فوائد النكاح وغوائله حتى يتضح منها فضيلة النكاح وتركه في حق كل من سلم من غوائله أو لم يسلم منها . الترغيب في النكاح : أما من الآيات : قال اللّه تعالى : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [ النور : 32 ] وهذا أمر . وقال تعالى : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ [ البقرة : 232 ] وهذا منع ( ولا ينكشف الحق فيه إلا بأن نقدم أولا ما ورد فيه من الأخبار المقبولة ( والآثار ) المنقولة في ( الترغيب فيه والترغيب عنه ، ثم نشرح القول في فوائد النكاح وغوائله ) أي مضاره ( حتى تتضح منها فضيلة النكاح وتركه في حق من سلم من غوائله أو لم يسلم ) ، ولا يظهر الحق الصريح إلا بعد التفصيل ، وبه يجمع بين الأقوال المختلفة ويظهر سبب الاختلاف . الترغيب في النكاح : ( أما من الآيات ) القرآنية ( قال تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وهذا أمر بالإنكاح وهو أعلم بالخير والصلاح ، والأيامى : جمع أيم وهي التي لا بعل لها ، وقد يسمى به الرجل الذي لا زوجة له ، ثم قال وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ فلو لا أن النكاح فاضل لما خص به الصالحين وضمهم إلى فضله وهم أهل ولايته لقوله وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ الأعراف : 196 ] ثم قال إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ النور : 32 ] واللّه أعلم بالإغناء كيف هو فقد يغنيهم بالأشياء ، وقد يغنيهم عن الأشياء ، وقد يغني نفوسهم عن الأعراض ، وقد يغنيهم باليقين ، وقد استدل بهذه الآية على أن النكاح عزيمة تبعا لصاحب القوت ، ونقله كذلك غير واحد ، وأبى القرطبي ذلك وقال : لا حجة في هذا القول لهم على ما ذهبوا إليه ، فإنه أمر للأولياء بالإنكاح لا للأزواج بالنكاح اه . وقال الشافعي في الأم قال اللّه تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ إلى قوله يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الأمر في الكتاب والسنة يحتمل معاني . أحدها : أن يكون اللّه حرم شيئا ثم أباحه وكان أمره إحلال ما حرم كقوله تعالى وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [ المائدة : 2 ] وكقوله فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [ الجمعة : 10 ] وذلك أنه حرم الصيد على المحرم ونهى عن البيع عند النداء ، ثم أباحهما في وقت غير الذي حرمهما فيه كقوله تعالى وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً [ النساء : 4 ] وقوله فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [ الحج : 36 ] قال : وأشباه ذلك كثير في الكتاب والسنة ليس حتما عليهم أن يصطادوا إذا حلوا ولا ينتشروا للتجارة إذا صلوا ولا يأكل من بدنته إذا نحرها . قال : ويحتمل أن يكون دلهم على ما فيه رشدهم بالنكاح كقوله إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يدل على ما فيه سبب الغنى وهو النكاح كقوله « سافروا تصحوا » اه .