على الأكل فقال : أما أن آكل وأخلي التزكية أو أزكي ولا آكل ، فلم يجدوا بدا من تزكيته فتركوه . وحكي أن ذا النون المصري حبس ولم يأكل أياما في السجن فكانت له أخت في اللّه فبعثت إليه طعاما من مغزلها على يد السجان فامتنع فلم يأكل ، فعاتبته المرأة بعد ذلك فقال : كان حلالا ولكن جاءني على طبق ظالم وأشار به إلى يد السجّان وهذا غاية الورع .
شرح
فهل كان أجبرك على هذا فلأجل هذا جرحتك عند الحاكم ، قال لنا الشيخ : ( وأجبر السلطان هذا المزكى على الأكل ) من ماله ( فقال ) اختاروا إحدى الخصلتين ( إما أن آكل ) كما أمرتم ( وأخلي التزكية ) أي لا أزكي أحدا بعد ذلك ولا أجرح ولا أعدل شاهدا ( أو أزكي ولا آكل ) من طعامكم ، فنظر السلطان وذووه ( فلم يجدوا بدا من تزكيته ) لحسن نظره وقيامه بشأن الحكام وهم محتاجون إليه لأنه كان قليل النظير ( فتركوه ) وحده فلم يأكل من طعامهم شيئا وأجبروا من كان معه . قال صاحب القوت : وكانوا قد حملوا من نيسابور إلى بخارى في قصة طويلة حذفت سببها ، والمعنى هذا باختلاف الألفاظ التي سمعتها ولكن توخيت ما سمعت على المعنى ، قال : وقد كان بشر بن الحرث يقول في الآكل من الشبهات يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة ، وكان إذا نفر وتكلم في الحلال قيل له فأنت يا أبا نصر من أين تأكل ؟ فكان يقول : من حيث تأكلون ، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك . وقد كان سري السقطي رحمه اللّه تعالى يقول : لا يصبر على ترك الشبهات إلا من ترك الشهوات ففي تدبره أن من أحب الشهوات لم يترك الشبهات كما كان الزهري إذا عوتب في صحبة بني مروان يقول : أصدقكم الحق اتسعنا في الشهوات فضاق علينا ما في أيدينا فانبسطنا إليهم .
( و ) من هذا الباب ما ( حكي أن ذا النون المصري ) المكنى أبا الفيض من أهل الخبيرة ترجمه أبو نعيم في الحلية والقشيري في الرسالة . قال القشيري اسمه ثوبان بن إبراهيم ، وقيل الفيض ابن إبراهيم ، وأبوه كان نوبيا فائق هذا الشأن وواحد وقته علما وحالا وورعا وأدبا ، وكان رجلا نحيفا تعلوه حمرة ليس بأبيض اللحية توفي سنة 245 . ( رحمه اللّه تعالى حبس ) في كلام أنكره عليه العامة من العلم الغامض ، وكان الحابس له على ذلك متولي مصر إذ ذاك من طرف الخلفاء ، وهذه القصة غير التي حصلت له ببغداد فإنهم سعوا به إلى المتوكل فاستحضره من مصر فلما دخل عليه وعظه فبكى المتوكل وردّه مكرما ، وكان المتوكل إذا ذكر بين يديه أهل الورع يبكي ويقول :
إذا ذكر أهل الورع فحيهلا بذي النون كما في الرسالة ، ( فلم يأكل أياما في السجن ) مدة مقامه فيه وكانت المائدة تختلف إليه من قبل السلطان فلم يكن يطعم منها شيئا ، ( وكانت له أخت ) قد آخته ( في اللّه فبعثت إليه من غزلها ) أي من أجرته ( طعاما ) ودفعته إليه ( على يد السجّان ) فحمله إليه وعرفه أنه من قبل تلك العجوز الصالحة ( فامتنع ولم يأكل ) منه أيضا فعلت ذلك معه مدة مقامه في السجن وهو يرده ولا يأكل ، ( فعاتبته المرأة بعد ذلك ) لما لقيته على ردّ الطعام وقالت : قد علمت أنه كان من مغزلي . ( فقال ) : نعم ( كان حلالا ولكن جاءني على طبق