هذه الأحاديث أن الإسرار أبعد عن الرياء والتصنع ، فهو أفضل في حق من يخاف ذلك على نفسه فإن لم يخف ولم يكن في الجهر ما يشوّش الوقت على مصل آخر فالجهر أفضل . لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته أيضا تتعلق بغيره ، فالخير المتعدي أفضل من اللازم ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر فيه ويصرف إليه سمعه ، ولأنه يطرد النوم في رفع الصوت ، ولأنه يزيد في نشاطه للقراءة ويقلل من كسله ولأنه يرجو بجهره تيقظ نائم فيكون هو سبب إحيائه ، ولأنه قد يراه بطّال غافل فينشط بسبب نشاطه ويشتاق إلى الخدمة ، فمتى حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل وإن
شرح
عبيد الأمر عندنا على كراهة قراءة الآيات المختلفة ، كما انكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على بلال فتأمل ذلك مع سياق المصنف .
( فالوجه في الجمع بين هذه الأحاديث ) المختلفة ( أن الاسرار ) بالقراءة ( أبعد عن الرياء والتصنع فهو أفضل في حق من يخاف ذلك ) أي الرياء ( على نفسه ) ولفظ القوت المخافتة بالقراءة أفضل إذا لم تكن للعبد نيّة في الجهر ، أو كان ذاهبا عن الهمة والمعاملة بذلك لأنه أقرب إلى السلامة وأبعد من دخول الآفة ، ( وإن لم يخف ) ذلك ( ولم يكن في الجهر ما يشوّش الوقت على مصل آخر فالجهر أفضل لأن العمل فيه أكثر ، ولأن فائدته تتعلق بغيره والخير المتعدي أفضل من اللازم ) ولفظ القوت : وإن الجهر أفضل لمن كانت له نية في الجهر ومعاملة مولاه به لأنه قد قام بسنة قراءة الليل ، ولأن المخافتة نفعه لنفسه والجهر نفعه له ولغيره ، وخير الناس من نفع الناس ، والنفع بكلام اللّه عز وجل من أفضل المنافع ، ولأنه قد أدخل عملا ثانيا يرجو به قربة ثانية على عمله الأول فكان في ذلك أفضل ، ( ولأن الجهر يوقظ قلب القارئ ) أي ينبهه عن سنة الغفلة ، ( ويجمع همه إلى الفكر فيه ويصرف إليه سمعه ) ولا يوجد ذلك كله في الاسرار ( ولأنه يطرد النوم برفع الصوت ، ولأنه يزيد في نشاطه للقراءة ويقلل من كسله ) وتثبطه ، ( ولأنه يرجو بجهره تيقظ نائم فيكون هو سبب احيائه ) من غفلته ( ولأنه قد يراه بطال ) عن العمل ( غافل ) عن الذكر ، ( فينشط ) في نفسه ( بسبب نشاطه ويشتاق إلى الخدمة ) والعمل . فهذه سبعة وجوه في أفضلية الجهر .
ولفظ القوت : وفي الجهر سبع نيات : منها الترتيل الذي أمر به ، ومنها تحسين الصوت بالقرآن الذي ندب إليه ، ومنها ان يسمع أذنيه ويوقظ قلبه ليتدبر الكلام ويتفهم المعاني ولا يكون كل ذلك إلا في الجهر ، ومنها أن يرد القوم عنه برفع صوته ، ومنها ان يرجو بجهره يقظة نائم فيذكر اللّه تعالى فيكون هو سبب احيائه ، ومنها ان يراه بطال غافل فينشط للقيام ويشتاق للخدمة فيكون هو معاونا له على البر والتقوى ، ومنها ان يكثر بجهره تلاوته ويدوم قيامه على حسب عادته للجهر ففي ذلك يكثر عمله .
( فمهما حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل ، وإن اجتمعت هذه النيات تضاعف