تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
فقهاء مصر على الشافعي رضي اللّه عنه في السحر وبين يديه مصحف فقال له الشافعي : شغلكم الفقه عن القرآن إني لأصلي العتمة وأضع المصحف بين يدي فما أطبقه حتى أصبح . العاشر : تحسين القراءة وترتيلها بترديد الصوت من غير تمطيط مفرط يغير النظم ،
شرح
وقد روي ذلك عمن بعدهم أيضا قال الدارمي ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا همام ، حدثنا ثابت هو البناني قال : كان عبد الرحمن بن أبي ليلى إذا صلى الصبح قرأ في المصحف حتى تطلع الشمس ، وكان ثابت يفعله وعبد الرحمن تابعيان وهذا الأثر صحيح . ( ودخل بعض فقهاء مصر على ) الإمام محمد بن إدريس ( الشافعي رضي اللّه عنه في السحر وبين يديه المصحف ) وهو يقرأ فيه ( فقال ) له الشافعي : ( شغلكم الفقه عن القرآن إني لأصلي العتمة وأضع المصحف بين يدي فما أطبقه حتى الصبح ) وقد تقدم قريبا أنه رضي اللّه عنه كان يختم في كل يوم وليلة ختمة ، فإذا جاء رمضان ختم في كل يوم وليلة ختمتين .

( العاشر : تحسين القراءة وتزيينها بترديد الصوت من غير تمطيط مفرط يغير النظم فذلك هو السنة )

اعلم أن كيفيات القراءة ثلاثة . أحدها : التحقيق وهو إعطاء كل حرف حقه من إشباع المد وتحقيق الهمزة وإتمام الحركات واعتماد الإظهار والتشديدات وبيان الحروف وإخراج بعضها من بعض بالسكت والرسل والتؤدة ، وملاحظة الجائز من الوقوف بلا قصر ولا اختلاس ولا إسكان محرك ولا إدغامه من غير أن يتجاوز فيه إلى حد الإفراط بتوليد الحروف من حركات ، وتكرير الراآت ، وتحريك السواكن ، وتطنين النونات بالمبالغة في الغنات ، كما قال حمزة لبعض من سمعه يبالغ في ذلك : أما علمت أن ما فوق البياض برص ، وما فوق الجعودة قطط ، وما فوق القراءة ليس بقراءة . الثانية : الحدر بفتح الحاء وسكون الدال المهملتين وهو إدراج القراءة وتحقيقها بالقصر والتسكين والاختلاس والبدل والإدغام الكبير وتخفيف الهمزة ، ونحو ذلك مما صحت به الرواية مع مراعاة إقامة الإعراب ، وتقديم اللفظ ، وتمكين الحروف بدون بتر حروف المد ، واختلاس أكثر الحركات ، وذهاب الصوت إلى غاية لا تصح بها القراءة ولا توصف بها التلاوة . الثالثة : التدوير وهو التوسط بين المقامين : التحقيق والحدر ، وهو الذي ورد عن أكثر الأئمة ممن مد المنفصل ولم يبلغ فيه الإشباع وهو المنفصل ، وهو المختار عند أكثر أهل الأداء ، والفرق بين التحقيق والترتيل أن التحقيق يكون للرياضة والتعليم والتمرين ، والترتيل يكون للتدبر والتفكر والاستنباط . فكل تحقيق ترتيل ، وليس كل ترتيل تحقيقا . وفي جمال القراء قد ابتدع الناس في قراءة القرآن أصواتا ويقال : أول ما غني به من القرآن قوله تعالى :أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ[ الكهف : 79 ] نقلوا ذلك من تغنيهم بقول الشاعر :
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 71 | مرتضى الزبيدي