الثالث : قال الحجاج لبعض الأطباء صف لي صفة آخذ بها ولا أعدوها . قال : لا تنكح من النساء إلا فتاة ولا تأكل من اللحم إلا فتيا ولا تأكل المطبوخ حتى ينعم نضجه ولا تشربن دواء إلا من علة ولا تأكل من الفاكهة إلا تضيجها ولا تأكلن طعاما إلا أجدت مضغه ، وكل ما أحببت من الطعام ولا تشربن عليه فإذا شربت فلا تأكلن عليه
شرح
نساء فليباكر الغذاء وليكر العشاء وليخفف الرداء وليحد الخراء وليقل غشيان النساء . قال : الرداء هنا الدين قال ثعلب : أراد لو زاد شيء في العافية لزاد هذا ولا يكون . وفي التهذيب بعد ذكر الحديث قالوا : وما تخفيف الرداء في البقاء ؟ قال : قلة الدين . قال الأزهري : سماه رداء لأن الرداء يقع على المنكبين ومجتمع العنق والدين أمانة ، والعرب تقول : هذا لك في عنقي ولازم رقبتي . زاد ابن الأثير وهي أي الرقبة موضع الرداء ، وذكر هذا القول غير واحد ونسبوه إلى فقيه العرب .
ويقال : أكرى العشاء وغيره إذا أخّره ، ومنه قوله : وليكر العشاء وهو مخالف لما اشتهر من أمثالهم خير الغذاء بواكره وخير العشاء سوابره ، وما تقدم من تفسير الرداء بالدين هو الذي جاء في قوله كما ذكرناه ، وإلّا فلو حمل على الحقيقة كان له وجه فإن تخفيف ما يرتدى به والتعوّد عليه مما أوصاه الحكماء كما ذكروه في تدبير الملبوس واللّه أعلم .
وجاء : « خير الغذاء بواكره » في حديث أنس . رواه الديلمي من طريق عنبسة بن عبد الرحمن عن أبي زكريا اليماني عنه رفعه « خير الغذاء بواكره وأطيبه أوله وأنفعه » قال ابن الجوزي : عنبسة يضع الحديث .
( الثالث ) : في أخبار الامراء . ( قال الحجاج ) بن يوسف الثقفي ( لبعض الأطباء ) وهو يتاذوف الفيلسوف كما هو في القوت ، وله ترجمة واسعة في وفيات الأعيان للصلاح الصفدي :
( صف لي صفة آخذ بها ) أي أعمل بها ( ولا أعدوها ) أي لا أتجاوزها . ( قال ) له : ( لا تنكح ) أي لا تجامع ( من النساء إلا فتاة ) أي شابة ، فإن جماع العجوز الهرمة والصغيرة جدا مضر بالخاصية كما تقدم ، ( ولا تأكل من اللحم إلا فتيا ) أي الحولي من الضأن والفحول ، فلحوم الهرمى من الحيوانات صلبة بطيئة الانهضام قليلة الغذاء مسيخة الطعم تخالطها زهومة لعدم الدسومة والرطوبة التي تطيبها ولحوم الصغار جدا كثيرة الفضول قليلة الغذاء بلغمية إلا انها تنحدر سريعا إلى المعدة ، ( ولا تأكل المطبوخ ) من اللحم وغيره ( حتى ينعم نضجه ) ويتم استواؤه ، ( ولا تشر بن دواء إلا من علة ) أي لا تستعملن دواء أكلا كان أو شربا إلا من احتياج له في إزالة علة حادثة ، ( ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها ) وهو ما استوى على الشجرة وتم استواؤه فإن الفجة لا خير فيها ، ( ولا تأكل طعاما إلا أجدت مضغه ) بالأسنان ، فإن الذي لم يمضغ جدا لا ينهضم سريعا ، ( وكل ما أحببت من الطعام ) واشتهت نفسك ومالت إليه مما تستلذه ( ولا تشرب عليه ) فإنه يفسده ويبطئه من الإنهضام ، ( فإذا ) طلبت نفسك و ( شربت عليه فلا تأكل عليه بعده شيئا ) لئلا يتخلل الماء بين طعامين فإنه مضر للمعدة ، ( ولا تحبس البول