تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 619

مساهمون:

ص٦١٩
وأما آداب التقديم : فترك التكلف أولا وتقديم ما حضر ، فإن لم يحضره شيء ولم يملك فلا يستقرض لأجل ذلك فيشوش على نفسه ، وإن حضره ما هو محتاج إليه لقوته ولم تسمح نفسه بالتقديم فلا ينبغي أن يقدم . دخل بعضهم على زاهد وهو يأكل فقال : لولا أني أخذته بدين لأطعمتك منه . وقال بعض السلف في تفسير التكلف : أن تطعم أخاك ما لا تأكله أنت بل تقصد زيادة عليه في الجودة والقيمة . وكان الفضيل يقول : إنما تقاطع الناس بالتكلف يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه . وقال بعضهم : ما أبالي بمن أتاني من اخواني فإني لا أتكلف له إنما أقرب ما عندي ولو تكلفت له لكرهت مجيئه ومللته . وقال بعضهم : كنت أدخل على أخ لي فيتكلف لي فقلت له :
شرح
لم يرض ، وهده الطريقة أقرب إلى طريقة الإباحية . أعاذنا اللّه من ذلك فليحذر المريد من معاشرة أولئك ، واللّه أعلم . ( فأما آداب التقديم فترك التكلف أولا ) وهو ما يفعله الإنسان بمشقة أو بتصنع أو بتبشع ( وتقديم ما حضر ) وتيسر ويسهل في الحال من كل ما يؤكل عادة فإنه أدوم للرجوع وأذهب لكراهة رب المنزل ، ( فإن لم يحضره شيء ولم يملك فلا يستقرض لأجل ذلك ) أي لا يأخذ من الدين ( فيشوّش على نفسه ) بالهم في أدائه مع عدم القدرة عليه ، ( وإن حضره ما هو محتاج إليه لقوته ) أو لقوت من يمونه ( ولم تسمح نفسه بالتقديم ) إلى الضيف ، ( فلا ينبغي أن يقدم ) . وقد كان من المتقدمين من إذا دخل عليه وهو يأكل لم يعرض على إخوانه الأكل إذا لم يحب أن يأكل معه خشية التزين بالقول أو لئلا يعرضهم لما يكرهون . ( دخل بعضهم على زاهد وهو يأكل فقال : لولا أني أخذته بدين لأطعمتك منه ) ولفظ القوت : دخل قوم على أبي عاصم ، وكان ذا زهد وهو يأكل فذكره وفيه : لأطعمتكم منه ، وكان بعض العلماء يقول : التكلف في الطعام أن يأخذه بدين أو يطعمه من خيانة . ( وقال بعض السلف في تفسير التكلف : أن تطعم أخاك ما لا تأكله أنت ) أي لا يكون من مأكلك ( بل تقصد زيادة عليه في الجودة والقيمة ) فتشق على نفسك بذلك ، ( و ) قد ( كان الفضيل ) بن عياض رحمه اللّه تعالى ( يقول : إنما تقاطع الناس بالتكلف يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه ) أورده صاحب القوت ، وأبو بكر بن أبي الدنيا في إقراء الضيف . ( وقال بعضهم : ما أبالي من أتاني من أخواني فإني لا أتكلف له إنما أقرب ما عندي ، ولو ) أني ( تكلفت له لكرهت ) دوام ( مجيئه ومللته ) فهذا لعمري ثمرة التكلف للكثرة والجودة الملل وكراهة العود . كذا في القوت . ( وقال بعضهم : كنت أدخل على بعض إخواني فيتكلف لي ) ولفظ القوت : وقال لي
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 619 | مرتضى الزبيدي