طاووس رحمه اللّه إذا اضطجع على فراشه يتقلى عليه كما تتقلى الحبة على المقلاة ثم يثب ويصلي إلى الصباح ثم يقول : طيّر ذكر جهنم نوم العابدين . وقال الحسن رحمه اللّه : ما نعلم عملا أشد من مكابدة الليل ونفقة هذا المال ، فقيل له : ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها ؟ قال : لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره . وقدم بعض الصالحين من سفره فمهد له فراش فنام عليه حتى فاته ورده ، فحلف أن لا ينام بعدها على فراش أبدا . وكان عبد العزيز بن أبي رواد إذا جنّ عليه الليل يأتي فراشه فيمر يده عليه ويقول : إنك للين وو اللّه إن في الجنة لألين منك ولا يزال يصلي الليل كله . وقال الفضيل : إني لأستقبل الليل من أوّله فيهولني طوله فافتتح القرآن فأصبح وما قضيت
شرح
يوم واصله بالصلاة والذكر ، وكان يتمثل ويقول : أشبع الزنجي وكده ، ومرة يقول : أشبع الحمار وكده ، وإذا جاع كأنه يتراخى في ذلك .
( وكان طاوس ) بن كيسان اليماني ، وأبو عبد الرحمن روى عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة ، وعنه التميمي وابنه عبد اللّه . قيل : اسمه ذكوان ولقب به لأنه كان طاوس القراء ، وما رؤي مثله روى له الجماعة ( إذا اضطجع على فراشه يتقلى عليه كما تتقلى الحبة في المقلاة ) أي اضطرب عليه ولم يرتح ، ( ثم يثب ) قائما ويدرج الفراش ( ويصلي إلى الصباح ثم يقول : طيّر ذكر جهنم نوم العابدين ) وكلما هم يذوق الكرى قال له القرآن قم لا تنم نقله ابن الجوزي .
هكذا قال ابن حبان : كان طاوس من عباد أهل اليمن ومن سادات التابعين توفي سنة ست ومائة بمنى وقد حج أربعين حجة . ( وقال الحسن ) البصري رحمه اللّه تعالى ( ما نعلم عملا أشد من مكابدة الليل ) أي بالصلاة فيه ( ونفقة هذا المال ) أي صرفه إلى وجوه الخير ، ( فقيل له : ما بال المجتهدين ) في العبادة ( أحسن الناس وجوها ؟ قال : إنهم خلوا بالرحمن تعالى فألبسهم نورا من نوره ) ، ويشهد له ما اشتهر على الألسنة : من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار ، وسيأتي الكلام عليه في آخر الباب .
( وقدم بعض الصالحين من سفر فمهد له فراش فنام عليه حتى فاته ورده ) من الليل ، ( فحلف أن لا ينام بعده على فراش أبدا ) عاقب نفسه بذلك تأديبا لها . ( وكان عبد العزيز ) بن عثمان بن جبلة ( بن أبي رواد ) الأزدي أبو الفضل المروزي لقبه شاذان وهو أخو عبدان . ذكره ابن حبان في الثقات . روى له البخاري والنسائي ( إذا جن عليه الليل يأتي فراشه فيمر يده عليه ويقول : إنك للين وو اللّه إن في الجنة لألين منك ) ثم لا ينام عليه ، ( فلا يزال يصلي الليل كله ) حتى يصبح . ( وقال الفضيل ) بن عياض رحمه اللّه تعالى : ( إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله فافتتح القرآن ) أي في الصلاة ( فأصبح ) أي أدخل في الصبح ( وما قضيت نهمتي ) أي حاجتي منه نقله صاحب القوت . ( وقال الحسن ) البصري رحمه