تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : « أفلا أكون عبدا شكورا » . ويظهر من معناه ان ذلك كناية عن زيادة الرتبة ، فإن الشكر سبب المزيد . قال تعالى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
شرح
الصلاة حتى حصل له ذلك ( فقيل له يا رسول اللّه ) : أتتكلف هذا و ( قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر » ) أتوا به على طبق ما في الآية . ( قال أفلا ) الفاء للسببية عن محذوف أي اترك تلك المشقة نظرا لتلك المغفرة فلا ( أكون عبدا شكورا ) لا بل ألزمها وإن غفر لي لأكون عبدا شكورا ، فالمعنى : إن المغفرة سبب ذلك التكلف شكرا ، فكيف أتركه بل أفعله لأكون مبالغا في الشكر بحسب الإمكان البشري ولحظ تلك النعمة العظيمة ، ومن ثم أتى بلفظ العبودية لأنها أخص أوصافه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولذا ذكرها اللّه تعالى في أعلى المقامات وأفضل الأحوال إذ هي مقتضى صحة النسبة المستلزمة لا على الخدمة وهو الشكر ، إذ العبد إذا لاحظ كونه عبدا وأن مالكه مع ذلك أنعم عليه بما لم يكن في حسابه علم تأكد وجوب الشكر والمبالغة فيه عليه ولحيازة سائر أنواع الشرف ، وما ذكر من التقرير في معنى « أفلا » واضح جلي ، وإن زعم بعضهم أنه متكلف ، وأن التقدير الأولى إذا أنعم علي بالإنعام الواسع أفلا أكون عبدا شكورا ؟ أي أيصير هذا الإنعام سببا لخروجي عن دائرة المبالغين في الشكر والاستفهام لإنكار سببية مثل هذا الإنعام لعدم كونه عبدا شكورا اه . وأنت خبير بأن هذا هو الذي فيه التكلف ، ويصح أن يكون التقدير أيضا غفر لي ما تقدم وما تأخر لعلمه بأني سأكون مبالغا في عبادته ، فأكون عبدا شكورا . أفلا أكون كذلك ؟ وهذا قريب من الأول ، وقد ظن من سأله صلّى اللّه عليه وسلم في سبب تحمله المشقة في العبادة أن سببها إما خوف الذنب أو رجاء المغفرة فأفادهم أن لها سببا آخر أتم وأكمل هو الشكر على التأهل مع المغفرة وإجزال النعمة ، وهو أعني الشكر الاعتراف بالنعمة والقيام في الخدمة ببذل المجهود فمن أدام ذلك كان شكورا . ( ويظهر من معناه أن ذلك كناية عن طلب زيادة الرتبة ، فإن الشكر سبب المزيد قال اللّه تعالىلَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) ولم يفز أحد بكمال هذه الرتبة غير نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ثم سائر الأنبياء عليهم السلام . والحديث متفق عليه . ورواه أيضا من حديث عائشة رضي اللّه عنها بلفظ « قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى تورمت قدماه فقلت له : لم تصنع هذا يا رسول اللّه وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر » قال « أفلا أكون عبدا شكورا » قالت : فلما بدن وكثر لحمه صلى جالسا . وفي الحديث أنه ينبغي التشمير في العبادة وإن أدى إلى كلفة لأنه صلّى اللّه عليه وسلم إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له ، فكيف بمن لم يعلم ذلك فضلا عمن لا يأمن النار . نعم محل ذلك إن لم يفض إلى ملال وإلا فالأخذ بما لا يفضي إليه أولى لما في الصحيح « عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن اللّه لا يمل حتى تملوا » ولا ينبغي التأسي حينئذ لأنه صلّى اللّه عليه وسلم منزه عن الملل وحاله أكمل الأحوال ، سيما وقد جعلت قرة عينه في الصلاة كما أخرجه النسائي وغيره واللّه أعلم .