فإن قلت : فما الأولى أن يصرف إليه أكثر الأوقات من هذه الأوراد ؟ فاعلم أن قراءة القرآن في الصلاة قائما مع التدبر يجمع الجميع ، ولكن ربما تعسر المواظبة عليه فالأفضل يختلف باختلاف حال الشخص ، ومقصود الأوراد تزكية القلب وتطهيره وتحليته بذكر اللّه تعالى وايناسه به ، فلينظر المريد إلى قلبه فما يراه أشد تأثيرا فيه فليواظب عليه ، فإذا أحس بملالة منه فلينتقل إلى غيره ، ولذلك نرى الأصواب لأكثر الخلق توزيع هذه الخيرات المختلفة على الأوقات - كما سبق - والانتقال فيها من نوع إلى نوع لأن الملال هو الغالب على الطبع ، وأحوال الشخص الواحد في ذلك أيضا تختلف .
شرح
وكان محمد بن طارق يطوف في كل يوم وليلة سبعين أسبوعا . قال : وكان كرز يختم القرآن في كل يوم وليلة ثلاث ختمات .
أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم في كتابه قال : حدثنا عبد الرحمن بن الحسن ، حدثنا أبو حفص النيسابوري ، حدثنا الصلت بن مسعود ، حدثنا ابن عيينة قال : سمعت ابن شبرمة يقول لابن هبيرة : لو شئت كنت ككرز في تعبده إلى آخر البيتين ، فقال ابن هبيرة : من كرز ومن ابن طارق ؟
قال : قلت أما كرز فكان إذا كان في سفر واتخذ الناس منزلا اتخذ هو منزلا للصلاة ، وأما ابن طارق فلو اكتفى أحد بالتراب كفاه كف من تراب .
قال أبو حفص : ذكروا أن ابن طارق كان يقدر طوافه في اليوم عشرة فراسخ . حدثنا أبو بكر ابن مالك ، حدثنا عبد اللّه بن أحمد ، حدثني شريح بن يونس ، حدثنا محمد بن بطين قال : رأيت ابن طارق في الطواف قد انفرج له أهل الطواف عليه نعلان مطرقتان . قال : فحرروا طوافه في ذلك الزمان فإذا هو يطوف في اليوم والليلة عشرة فراسخ اه لفظ الحلية . وهذا الأخير قد رواه أيضا أبو الفرج ابن الجوزي في مثير العزم من هذا الطريق ، ونقله المحب الطبري في المناسك .
( فإن قلت : فما الأولى أن يصرف إليه أكثر الأوقات من هذه الأوراد ؟ فاعلم أن قراءة القرآن في الصلاة قائما مع التدبر ) والتفهم لمعاني ما يقرأ ( يجمع الجميع ) مما ذكر ، ( ولكن ربما تعسر المواظبة على ذلك ) لمانع ، ( فالأفضل يختلف باختلاف حال الشخص ومقصود الأوراد تزكية القلب وتطهيره ) من الأدناس الباطنة ( وتحليته ) اي تزيينه ( بذكر اللّه تعالى وإيناسه به ) بكمال الرغبة فيه ، ( فلينظر المريد إلى قلبه فما يراه أشد تأثيرا فيه فليواظب عليه ) فهو الأفضل في حقه ، ( فإذا أحس بملالة منه ) وسئمت النفس ( فلينتقل إلى غيره ) من تلك الأوراد ، ( ولذلك نرى الأصوب بأكثر الخلق توزيع هذه الخيرات المختلفة على الأوقات - كما سبق ) تقريره - ( والانتقال من نوع منها إلى نوع ) ثان ( لأن الملل هو الغالب على الطبع ) في الأكثر ، ( وأحوال الشخص الواحد أيضا في ذلك تختلف ) باختلاف