تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
وبين التراب حاجزا ويقولون : منها خلقنا وإليها نرد ، وكانوا يرون ذلك أرق لقلوبهم وأجدر بتواضع نفوسهم فمن لم تسمح نفسه بذلك فليقتصد . السادس : أن لا ينام ما لم يغلبه النوم ولا يتكلف استجلابه إلا إذا قصد به الاستعانة على القيام في آخر الليل ، فقد كان نومهم غلبة وأكلهم فاقة وكلامهم ضرورة ، ولذلك وصفوا بأنهم كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ، وإن غلبه النوم عن الصلاة والذكر وصار لا يدري ما يقول فلينم حتى يعقل ما يقول . وكان ابن عباس رضي اللّه عنه يكره النوم قاعدا . وفي الخبر : « لا تكابدوا الليل » وقيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إن فلانة
شرح
الثوب فوقه ( ويقولون : منها ) أي الأرض ( خلقنا وإليها نردّ ) ثانيا ، ( وكانوا يرون ذلك أرق لقلوبهم وأجدر لتواضع نفوسهم ) ، وهذا حال من يؤثر الآخرة على الدنيا ولم يمل لزهرتها ، بل المعهود من سيرة الصحابة ومن بعدهم أنهم كانوا ينامون على الأرض من غير حائل ( ويأكلون على الأرض ) ويصلّون على التراب ، ( فمن لا تسمح نفسه بذلك ) لعادة تمرّن عليها ، فإذا تركها تأذى جسده ( فليقتصد ) وليكن ذلك بالتدريج والتمهيل لامرة واحدة . ( السادس : أن لا ينام ما لم يغلبه النوم ولا يتكلف استجلابه إلا إذا قصد به الاستعانة على القيام في آخر الليل ) ، فلا بأس حينئذ أن يستجلبه ويتكلف له ويتحيل على تحصيله بكل وجه ، ( فقد كان ) الصالحون ( نومهم غلبة ) أي لا ينامون إلا على غلبة ويكرهون التعمل للنوم . قال صاحب القوت : وقد كان منهم من يمهد لنفسه بالنوم ليتقوى بذلك على صلاة أوسط الليل وآخره للفضل في ذلك . وسئل فروة الشامي عن وصف الأبدال وكانوا يظهرون له فقال : نومهم غلبة ، ( وأكلهم فاقة وكلامهم ضرورة ) ، وصمتهم حكمة ، وعلمهم قدرة أي لا يأكلون إلا عن فاقة تصيبهم فيقصدون بذلك التقوي على عبادة اللّه تعالى ، ولا يتكلمون إلا إذا اضطروا إليه ورأوا أنهم قد ندبوا إليه . وقيل لآخر : صف لنا الخائفين فقال : أكلهم أكل المرضى ، ونومهم نوم الغرقى . ( ولذلك وصفوا بأنهم كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) أي ينامون أي وصفهم بقلة النوم وهو لا يكون إلا عن القيام بطاعة اللّه ، ( وأن غلبه النوم ) حتى يشغله ( عن الصلاة والذكر وصار لا يدري ما يقول ) في صلاته وذكره ، ( فلينم حتى يعقل ما يقول ) وينشط في خدمته . هكذا السنّة . وفي الحديث ما يدل على ذلك كما سيأتي للمصنف قريبا . وقد ( كان ابن عباس يكره النوم قاعدا ) نقله صاحب القوت ، ولعله إذا قصد بذلك لا إذا غلبه فإنه معذور . ( وفي الخبر « لا تكابدوا الليل » ) هكذا هو في القوت . وقال العراقي : رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بسند ضعيف ، وفي جامع سفيان الثوري موقوفا على ابن مسعود « لا تغالبوا هذا الليل » اه .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 474 | مرتضى الزبيدي