شرح
الثانية : اختلفوا هل الأفضل الدعاء أو السكوت والرضا ؟ فقالت طائفة : السكوت أفضل والجمود تحت جريان الحكم أتم . وسئل الواسطي أن يدعو فقال : أخشى إن دعوت أن يقال لي إن سألتنا ما لك عندنا فقد اتهمتنا وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسأت إلينا ، وإن رضيت أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك في الدهور ، وحكى الطرطوشي عن عبد اللّه بن المبارك أنه قال : ما دعوت اللّه منذ خمسين سنة ولا أريد أن يدعو لي أحد ، واحتج القائلون بهذا المذهب بأن امرأة بها لمم سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يدعو لها اللّه عز وجل فقال : « أو تصبرين ولا حساب عليك » . وسأله الأنصار أن يدعو اللّه سبحانه أن يكشف الحمى عنهم . فقال : « أو تصبرون فتكون لكم طهرا » . وقال حكاية عن اللّه تعالى : « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » . وقالت طائفة : يكون صاحب دعاء بلسانه ورضا بقلبه ليأتي بالأمرين جميعا ، وقيل : لا يدعو إلا بطاعة ينالها أو خوف سخط ، فإن دعا بسوى ذلك فقد خرج عن حد الرضا . وقال القشيري : الأولى أن يقال إذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء أولى له ، وإذا وجد في قلبه إشارة إلى السكوت فالسكوت أتم . قال : ويصح أن يقال ما كان للمسلمين فيه نصيب أو للّه تعالى فيه حق فالدعاء أولى ، وإن كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم . والصواب أن الدعاء أولى مطلقا وعليه الجمهور ، فإنه نفسه عبادة ، والإتيان بالعبادة أولى من تركها ، وقد دعا صلّى اللّه عليه وسلم بكشف البلايا والشدائد وإن كان فيها فضل كبير . وقال صلّى اللّه عليه وسلم لعائشة رضي اللّه عنها « إن وافقت ليلة القدر فسلي اللّه العفو والعافية » وعلمها لعمه العباس رضي اللّه عنه . ولما كانت ليلة الإسراء وانتهى إلى مقام قاب قوسين عظم سؤاله في ليلته ، فلولا أن السؤال من أجل العبادات ما تلبس به ولما أمر أمته به . فكيف يسوغ لأحد أن يقول : اللهم أغنني بك عن السؤال منك . نعم يمكن أن يريد أن يغنيه اللّه باختياره عن اختياره لنفسه ، فإن اختيار اللّه للعبد كامل واختيار العبد لنفسه معلول بوجود علة الأدناس ، فما خرج عن السؤال . وأما قوله صلّى اللّه عليه وسلم للأنصار « أو تصبرون » فهو سؤال كشف وتعليم .
فأوحى اللّه إليه أنه لا يكشف عنهم في ذلك الوقت وأخر الدعاء ، ويحتمل أنه رأى بهم جزعا وقلة صبر فأمرهم به .
خاتمة الفائدتين : إعلم أن الذكر إما أن يكون باللسان أو بالقلب أو بالجوارح ، فالذكر باللسان هو الألفاظ الدالة على التحميد والتمجيد والتسبيح ، والذكر بالقلب التفكر في دلائل الذات والصفات ودلائل التكاليف وأسرار مخلوقات اللّه تعالى ، والذكر بالجوارح أن تصير الجوارح مستغرقة في الطاعات . قال تعالىفَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ[ البقرة : 152 ] وحسبك بهذا الجزاء .
وبهذا تم شرح كتاب الأذكار والدعوات حامدا للّه الذي بعزته وجلاله تتم الصالحات ، مصليا على نبيه أكمل البريات صلى اللّه عليه وعلى آله وصحبه الكرام الهداة ، وأنا متوسل بمؤلفه رضي اللّه عنه إلى اللّه ورسوله أن يشفي مريضي ويحسن عواقبي ويختم لي ولأخواني المسلمين بخير وعافية . جرى ذلك في ضحوة سبت النور تاسع عشر جمادى الأولى سنة 1195 بمنزلي بسويقة لالا . قاله وكتبه أبو الفيض محمد مرتضى الحسيني ، غفر له بمنّه وكرمه وحسبنا اللّه ونعم الوكيل .