تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
فإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ، فهذا ما أردنا أن نورده من جملة الأذكار والدعوات واللّه الموفق للخير ، وأما بقية الدعوات في الأكل والسفر وعيادة المريض وغيرها فستأتي في مواضعها إن شاء اللّه تعالى وعلى اللّه التكلان . نجز كتاب الأذكار والدعوات بكماله . يتلوه إن شاء اللّه تعالى كتاب الأوراد والحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
شرح
( فإن الإنسان ليطغى ) أي يتجاوز عن حده بطغيانه ( إن رآه استغنى ) أي صار غنيا . ومن فوائد الدعاء أنه اشتغال بذكر الحق وذلك يوجب مقام الهيبة في القلوب والإنابة في الطاعة والانقلاع عن المعاصي ، ولزوم الباب يستدعي الإذن في الدخول ولهذا قيل : من أدمن قرع الباب ولج ولج ، وكان يقال : الإذن في الدعاء خير من العطاء ، وقيل لبعضهم : ادع اللّه لي . فقال : كفاك اللّه من الأجنبية أن يجعل بينك وبينه واسطة ، وأصل شقاوة أهل النار في النار حيث قالوا فيما حكاه اللّه عنهم :وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ[ غافر : 49 ] فالحجاب ملازم لهم ، ثم لما لم يغنهم ذلك قالوارَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا[ المؤمنون : 106 ] ومنها أن ملازمة الدعاء دافعة للبلاء والشقاء كما قال تعالى حاكيا عن خليله إبراهيم عليه السلام :وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا[ مريم : 48 ] وعن زكريا عليه السلاموَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا[ مريم : 4 ] . ( فهذا ما أردنا أن نورده من جملة الأذكار والدعوات ) وما يتعلق بها من الفضائل ، ( واللّه الموفق للخير ) لا خير إلا خيره ولا رب غيره ، ( وأما بقية الدعوات ) التي تذكر ( في الأكل والسفر وعيادة المرضى وغيرها فستأتي في موضعها إن شاء اللّه تعالى ) ، ولنختم هذا الكتاب بفائدتين . الأولى : قال الزركشي : اختار الخطابي في كتاب الدعاء أن الدعاء لا يستجاب منه إلا ما وافق القدر ، وقال : إنه المذهب الصحيح ، وهو قول أهل السنة والجماعة . ونقله عنه كذلك الطرطوشي في كتاب الأدعية وفائدته حينئذ كون المعاملة فيه على معنى الترجي والتعلق بالطبع الباعثين على الطلب دون اليقين الذي تقع به الطمأنينة ، فيفضي بصاحبه إلى ترك العمل والإخلاد إلى دعة العطلة ، وقد قالت الصحابة : أرأيت أعمالنا هذه شيء قد فرغ منه أم أمر نستأنفه ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم : بل هو أمر قد فرغ منه ، فقالوا : ففيم العمل إذا قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له ؟ فعلمهم صلّى اللّه عليه وسلم الأمرين ثم ألزمهم العمل الذي هو تدرجة التعبد لتكون تلك الأفعال يسرا فيريد أنه ييسر في أيام حياته للعمل الذي سبق له القدر به قبل وجوده . قال : وهكذا القول في الرزق مع التسبب إليه بالتكسب ، وفي العمر والأجل والتسبب إليه بالطب والعلاج ، وفي هذا لطف عظيم بالعباد فإنه سبحانه تملك طباعهم البشرية فوضع هذه الأسباب ليأتسوا بها فيخفف عنهم ثقل الامتحان الذي يفسدهم ، وليتصرفوا بذلك بين الخوف والرجاء ليستخرج منهم وظيفتي الشكر والصبر .